سياسة واقتصاد

إضافة السيادة الغذائية إلى وزارة الفلاحة والصيد البحري.. هل نحن أمام رهان استراتيجي لتعزيز الأمن الغذائي وحماية القدرة الشرائية؟

عدي الراضي (باحث في التاريخ والتراث ومهتم بالشأن السياسي)
إن طرح مسألة إضافة السيادة الغذائية إلى اسم وزارة الفلاحة والصيد البحري يستحضر حقيقة تاريخية واقتصادية مفادها أن الغذاء لم يكن يومًا مجرد حاجة يومية، بل ظل ركيزة لبقاء الشعوب واستقرار الدول، وعنصرًا حاسمًا في قدرتها على مواجهة الأزمات. فمنذ القدم، حرص الإنسان على تخزين فائض المحاصيل في المطامير والمخازن خلال سنوات الوفرة، تحسبًا لمواسم الجفاف والقحط والمجاعات، واستعدادًا للحروب والحصار واضطراب سبل التموين. فقد أدركت المجتمعات أن وفرة الغذاء في الحاضر لا تكفي لضمان المستقبل ما لم تقترن بحسن التدبير والتخزين والاستعداد لفترات الخصاص. 


وتتجدد أهمية هذا الدرس اليوم في عالم تتأثر فيه الإمدادات الغذائية بالحروب والأزمات الاقتصادية والتغيرات المناخية وندرة المياه وتقلبات الأسواق الدولية. وقد كشفت جائحة كوفيد-19 هشاشة سلاسل التوريد العالمية، وأبرزت مخاطر الاعتماد المفرط على الخارج في تأمين الحاجيات الأساسية. ومن هنا يكتسب النقاش حول السيادة الغذائية الوطنية أهميته، ويطرح سؤالًا جوهريًا: هل تشكل إضافتها إلى اسم وزارة الفلاحة والصيد البحري خطوة نحو سياسة متكاملة تعزز الإنتاج الوطني، وتحمي الموارد الطبيعية، وتضمن استقرار التموين، وتخفف الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين؟ 


إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي أولًا التمييز بين مفهومين متكاملين، وإن لم يكونا متطابقين، هما الأمن الغذائي والسيادة الغذائية. فالأمن الغذائي يعني أن يتمكن جميع المواطنين، في مختلف الأوقات، من الحصول على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍّ، من الناحيتين المادية والاقتصادية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال الإنتاج الوطني أو الاستيراد أو تكوين المخزونات أو الجمع بين هذه الوسائل. أما السيادة الغذائية، فهي مفهوم أوسع يرتبط بقدرة الدولة على تحديد اختياراتها وسياساتها في مجال إنتاج الغذاء وتوزيعه واستهلاكه، ودعم المنتجين المحليين، وحماية الموارد الطبيعية، وتقليص التبعية الخارجية في المواد الأساسية، مع الاحتفاظ بحرية القرار الوطني في مواجهة التقلبات والأزمات الدولية. 


ولا تعني السيادة الغذائية أن ينتج المغرب كل ما يستهلكه أو أن يستغني نهائيًا عن الاستيراد، فهذا هدف قد يكون غير واقعي في ظل اختلاف الظروف المناخية وتكاليف الإنتاج وتفاوت الموارد. وإنما تعني امتلاك القدرة على ضمان الحاجيات الأساسية، وتنويع مصادر التموين، وتطوير الإنتاج المحلي حيث تتوافر شروطه الاقتصادية والبيئية، وتفادي تحول الاعتماد على الخارج إلى نقطة ضعف استراتيجية. وبعبارة أخرى، فإن الأمن الغذائي هو الغاية التي ينبغي ضمانها للمواطن، بينما تمثل السيادة الغذائية أحد المداخل الاستراتيجية لتعزيز القدرة الوطنية على تحقيق هذه الغاية بصورة مستدامة. 


ومن هذا المنطلق، فإن إضافة السيادة الغذائية إلى اسم وزارة الفلاحة والصيد البحري يمكن أن تحمل دلالة سياسية ومؤسساتية مهمة، لأنها تنقل الاهتمام من مجرد تطوير القطاع الفلاحي والإنتاج البحري إلى سؤال أوسع يتعلق بقدرة البلاد على تأمين غذائها وحماية مصالحها الاستراتيجية. غير أن أهمية هذه الخطوة لن تُقاس بالاسم وحده، بل بما ستترجمه من سياسات وبرامج وميزانيات وتنسيق بين القطاعات المعنية، وبما ستحدثه من أثر ملموس في الإنتاج الوطني والأسعار واستقرار التموين وظروف عيش المواطنين. 


رغم إسناد ملف السيادة الغذائية إلى وزارة الفلاحة والصيد البحري ، فإننا نرى أن تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي لا يمكن أن يظل مسؤولية قطاع وزاري واحد، بل يستلزم اعتماد مقاربة حكومية مندمجة تقوم على التنسيق والتكامل بين مختلف القطاعات المعنية، كلٌّ حسب اختصاصاته ومجالات تدخله.


وفي هذا الإطار، تبرز أهمية دور وزارة الداخلية في تنظيم الأسواق والمساهمة في ضبط سيرها، والحد من الاختلالات التي قد تؤثر في تموينها وأسعار المنتجات الغذائية. كما تضطلع وزارة الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي، بتنسيق مع كتابة الدولة المكلفة بالتجارة الخارجية، بدور أساسي في تنظيم المبادلات التجارية الخارجية، ولا سيما عمليات الاستيراد والتصدير، بما يضمن التوفيق بين متطلبات السوق الوطنية وحاجياتها الغذائية.


ومن جهة أخرى، تبرز ضرورة تدخل وزارة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة للبحث عن حلول عملية للتخفيف من أثر ارتفاع أسعار المحروقات على تكاليف الإنتاج والنقل والتوزيع، من خلال دراسة إمكانية تسقيف الأسعار أو إعادة النظر في الخيارات المتعلقة بتكرير النفط، بما في ذلك بحث إمكانية إعادة تشغيل مصفاة لاسامير، وفق مقاربة تراعي الجدوى الاقتصادية والقانونية.


أما وزارة النقل واللوجيستيك، فتضطلع بدور محوري في تنظيم سلاسل النقل والتوزيع، وضمان إيصال المنتجات والمواد الغذائية والمؤن بصورة منتظمة ومتوازنة إلى مختلف جهات المملكة، بما يسهم في الحد من التفاوتات المجالية في التموين ويعزز استقرار الأسعار. ومن جهة أخرى، تبرز أهمية وزارة التجهيز والماء في تحقيق السيادة الغذائية، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين الأمن المائي والأمن الغذائي، إذ لا يمكن ضمان استدامة الإنتاج الفلاحي دون توفير الموارد المائية اللازمة وترشيد استعمالها. ويقتضي ذلك تعزيز سياسة تدبير الموارد المائية، من خلال تطوير البنيات التحتية لتخزين المياه، وتسريع إنجاز مشاريع تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة في الأغراض الملائمة، فضلاً عن صيانة شبكات توزيع المياه والحد من ضياعها. كما تبرز ضرورة التنسيق مع القطاعات المعنية لتطوير أنظمة الري المقتصدة للماء، وتشجيع الزراعات الملائمة للخصوصيات المناخية والمائية لكل منطقة، بما يسهم في الحد من آثار الجفاف، وضمان استمرارية الإنتاج الفلاحي، وحماية الموارد المائية للأجيال القادمة. وتبعاً لذلك، فإن تحقيق السيادة الغذائية يظل رهيناً بإرساء تدبير متكامل ومستدام للماء، يوازن بين حاجيات الشرب والاستعمالات الفلاحية والصناعية، ويضمن التوزيع العادل للموارد المائية وفق الأولويات الوطنية.


وعليه، فإن تحقيق السيادة الغذائية يقتضي تجاوز المقاربة القطاعية المنفردة واعتماد رؤية حكومية شمولية، تتكامل فيها السياسات الفلاحية والتجارية والطاقية واللوجيستية، بما يضمن استدامة التموين، ويحمي القدرة الشرائية للمواطنين، ويعزز استقلالية القرار الوطني في المجال الغذائي. وهذا ما حاولنا تناوله في هذا المقال المتواضع، من خلال الوقوف عند أهمية التنسيق والتكامل بين مختلف القطاعات الحكومية، وإبراز دورها في إرساء مقومات السيادة الغذائية وتعزيز الأمن الغذائي الوطني.


لقد أظهرت التحولات الدولية أن الغذاء لم يعد مسألة اقتصادية أو اجتماعية فحسب، بل أصبح عنصرًا من عناصر الأمن الاستراتيجي للدول. فالحروب واضطرابات النقل وارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة والأعلاف، إلى جانب القيود التي قد تفرضها بعض الدول على صادراتها في أوقات الأزمات، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في الأسواق الداخلية حتى عندما تكون المواد الغذائية متاحة في الأسواق العالمية. وقد بينت تجربة جائحة كوفيد-19 أن سلاسل الإمداد قد تتعرض لاضطرابات مفاجئة، وأن الاعتماد المفرط على مورد خارجي واحد أو على استيراد مادة أساسية دون بدائل كافية قد يرفع كلفة التموين ويضعف القدرة على الاستجابة السريعة. 


وتتضاعف هذه التحديات بالنسبة إلى المغرب بفعل توالي سنوات الجفاف، وتراجع الموارد المائية، وارتفاع كلفة بعض مستلزمات الإنتاج الفلاحي، وتذبذبه في عدد من السلاسل، فضلًا عن الضغوط التي تعرفها القدرة الشرائية للأسر. لذلك، فإن تعزيز السيادة الغذائية يقتضي رؤية متكاملة لا تقتصر على زيادة الإنتاج، بل تشمل أيضًا حسن تدبير الموارد، وتطوير التخزين والنقل والتوزيع، وتنويع مصادر الاستيراد، والاستعداد المسبق للأزمات، وتوفير غذاء ذي جودة وبأسعار معقولة. 


ويحتل الماء موقعًا مركزيًا في هذه المعادلة، لأن الحديث عن السيادة الغذائية في بلد يعاني من الإجهاد المائي لا يمكن أن ينفصل عن مستقبل الموارد المائية. فالإنتاج الفلاحي يرتبط ارتباطًا مباشرًا بتوفر الماء، لكن توسيع المساحات المسقية أو تشجيع محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه لا يمكن أن يكون خيارًا مستدامًا في جميع المناطق والظروف. ومن ثم، ينبغي أن تقوم السياسة الفلاحية على ملاءمة الزراعات مع الخصائص المناخية والمائية لكل منطقة، وتوسيع استعمال تقنيات الري المقتصد للماء، وتحسين صيانة شبكات الري، والحد من ضياع المياه، ومراقبة استغلال الفرشات المائية، مع تطوير تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة حيث تسمح الشروط الصحية والبيئية بذلك. 


كما يتطلب الأمر إعادة النظر، وفق معايير علمية واقتصادية واضحة، في توزيع الزراعات بحسب حاجيات السوق الوطنية وقدرة الأحواض المائية على التحمل. فليس من الحكمة أن تُقاس فعالية القطاع الفلاحي بحجم الإنتاج أو قيمة الصادرات وحدهما، إذا كان ذلك يتم على حساب استنزاف الموارد المائية أو يضعف قدرة الأجيال المقبلة على الإنتاج. والسيادة الغذائية الحقيقية هي التي توازن بين توفير الغذاء اليوم، وحماية شروط إنتاجه غدًا، وبين المردودية الاقتصادية والاستدامة البيئية. 


وفي هذا السياق، تبرز الثروة الفوسفاطية للمغرب باعتبارها إحدى أهم أوراقه الاستراتيجية في تعزيز قدراته الفلاحية. ووفقًا لمعطيات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية الواردة في تقرير «ملخصات السلع المعدنية لسنة 2026»، تُقدَّر احتياطات المغرب من الفوسفاط بنحو 50 مليار طن، أي حوالي 68 في المائة من الاحتياطات العالمية المقدرة. وتمنح هذه الثروة المملكة مكانة بارزة في سوق الفوسفاط والأسمدة، وتتيح لها إمكانات مهمة لتطوير الصناعات المرتبطة بالإنتاج الفلاحي. ويمكن الاطلاع على هذه المعطيات في تقرير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية لسنة 2026. 


غير أن الأهمية الاستراتيجية للفوسفاط لا ينبغي أن تُختزل في عائدات التصدير ومكانة المغرب في السوق الدولية، بل ينبغي أن تشمل أيضًا كيفية توظيف هذه الثروة لدعم الفلاحة الوطنية. فإنتاج الأسمدة الفوسفاطية وتطوير صناعتها يمكن أن يساهما في تحسين مردودية المحاصيل، شريطة توفير الأسمدة للفلاحين بكلفة مناسبة، وضمان استعمالها وفق حاجيات التربة والمحاصيل، وتعزيز الإرشاد الفلاحي والبحث العلمي. فالتسميد المتوازن، عندما يتكامل مع جودة البذور والتدبير الجيد للماء والتقنيات الزراعية الملائمة، يمكن أن يرفع مردودية الهكتار ويحسن الإنتاج، ويساهم في تقليص كلفة الزراعة وتعزيز تنافسية المنتوج الوطني. 


ومن هنا، فإن الرهان لا يتمثل في امتلاك احتياطات ضخمة من الفوسفاط فحسب، بل في تحويل هذه الميزة إلى قيمة مضافة يستفيد منها الاقتصاد الوطني والفلاح المغربي، ولا سيما صغار المنتجين. ويتطلب ذلك تحقيق التوازن بين متطلبات التصدير وحاجيات السوق الداخلية، وتطوير سلاسل إنتاج الأسمدة وتوزيعها، ودعم الفلاحين في اعتماد الممارسات العلمية الملائمة. كما ينبغي التأكيد أن مضاعفة الإنتاج أو المردودية ليست نتيجة تلقائية لتوفر الأسمدة، بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل الماء والتربة والبذور والبحث الزراعي والتكوين والتمويل والتدبير الجيد. 


ولا تقل الثروة الحيوانية أهمية عن الإنتاج النباتي في بناء السيادة الغذائية، بالنظر إلى دورها في توفير اللحوم والحليب ومشتقاتهما، وفي خلق فرص الشغل والحفاظ على أنشطة اقتصادية واجتماعية واسعة، خصوصًا في العالم القروي. وقد أظهرت التحديات التي عرفتها تربية الماشية، في ظل الجفاف وارتفاع كلفة الأعلاف وتراجع المراعي، أن استعادة التوازن في هذا القطاع تحتاج إلى أكثر من تدخلات ظرفية. فهي تتطلب برامج مستدامة لإعادة تكوين القطيع، وتحسين صحة الحيوانات والتأطير البيطري، وتطوير إنتاج الأعلاف محليًا، وحماية المراعي وتنظيم استغلالها، ودعم المربين وفق معايير تضمن وصول المساعدة إلى مستحقيها. 


كما أن تقوية إنتاج الأعلاف ينبغي أن تراعي الوضع المائي، حتى لا يؤدي السعي إلى تطوير تربية الماشية إلى زيادة الضغط على الموارد المحدودة. ويمكن، في هذا الإطار، تشجيع الزراعات العلفية الملائمة للظروف المحلية، وتحسين تخزين الأعلاف، وتطوير تقنيات التغذية التي ترفع الإنتاجية وتخفض الهدر. فتعزيز العرض الوطني من اللحوم والحليب لا يرتبط فقط بعدد رؤوس الماشية، بل كذلك بجودة التغذية والرعاية البيطرية وتنظيم سلاسل الإنتاج والتسويق. وكلما تحسنت هذه العناصر، ازدادت فرص استقرار العرض وتخفيف التقلبات الحادة في الأسعار. 


ويمتد مفهوم السيادة الغذائية إلى الثروة البحرية أيضًا، باعتبار المغرب بلدًا يمتلك واجهتين بحريتين ومؤهلات مهمة في مجال الصيد البحري وتربية الأحياء المائية. فالمطلوب ليس فقط رفع قيمة صادرات المنتجات البحرية، بل كذلك ضمان تدبير مستدام للمخزون السمكي، ومكافحة الصيد غير القانوني، وتطوير مراقبة المصايد، وتحسين ظروف تفريغ الأسماك وتخزينها ونقلها وتسويقها. كما ينبغي دعم تثمين المنتجات البحرية داخل البلاد، وتطوير الصناعات التحويلية التي توفر قيمة مضافة وفرص شغل، مع العمل على أن ينعكس هذا الغنى البحري بصورة أفضل على توفر السمك في السوق الوطنية وأسعاره. 


ولا يعني ذلك إغلاق الأسواق أمام الصادرات أو التضحية بمصالح المهنيين والاقتصاد الوطني، وإنما يستدعي تدبيرًا متوازنًا يراعي استدامة الموارد البحرية وحاجيات المستهلك المحلي. فالصيد الجائر أو سوء تدبير المخزون قد يضر بالقدرة الإنتاجية المستقبلية، كما أن ضعف التخزين والتوزيع يمكن أن يرفع الكلفة ويحد من وصول المنتجات إلى بعض المناطق. ولذلك، فإن حماية الثروة البحرية جزء من حماية مصدر غذائي واقتصادي ينبغي أن يستمر في خدمة الأجيال الحالية والمقبلة. 


أما على مستوى القدرة الشرائية، فإن أحد أبرز الاختبارات العملية لأي سياسة للسيادة الغذائية يتمثل في مدى انعكاسها على أسعار المواد الأساسية. فارتفاع أسعار الخضر والفواكه واللحوم والأسماك وغيرها من المنتجات لا يرتبط دائمًا بنقص الإنتاج وحده؛ إذ تتداخل فيه عوامل متعددة، منها كلفة النقل والطاقة والأعلاف والمدخلات الفلاحية، وظروف التخزين والتبريد، وتعدد الوسطاء، والاختلالات التي قد تصيب قنوات التوزيع، فضلًا عن العرض والطلب والموسمية والتقلبات المناخية. ومن ثم، فإن زيادة الإنتاج تظل ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها لضمان انخفاض الأسعار ما لم تصاحبها إصلاحات في سلاسل التسويق والتوزيع. 


ويقتضي ذلك تحسين الربط بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك، وتطوير أسواق الجملة، وتوسيع قدرات التخزين والتبريد، والحد من ضياع المنتجات بعد الحصاد، وتعزيز الشفافية بشأن الأسعار وهوامش التسويق، ومراقبة الممارسات غير المشروعة التي تضر بالمنافسة. كما أن تنظيم الأسواق وتسهيل وصول المنتجين إلى المستهلكين يمكن أن يخففا من الكلفة الوسيطة، بما يسمح بتحسين دخل الفلاح من جهة، وتقليص العبء على الأسر من جهة أخرى. وينبغي أن تقوم هذه التدابير على معطيات دقيقة، حتى تُعالج أسباب ارتفاع الأسعار بدل الاكتفاء بإجراءات مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة. 


وفي ما يتعلق بتصدير المنتجات الفلاحية والبحرية، ينبغي اعتماد مقاربة متوازنة تراعي المصالح الاقتصادية الوطنية وحاجيات السوق الداخلية في الوقت نفسه. فالصادرات تساهم في جلب العملة الصعبة، ودعم مناصب الشغل، وتحفيز الاستثمار، وفتح الأسواق أمام المنتجات المغربية. غير أن تحقيق هذه المكاسب ينبغي ألا ينفصل عن ضرورة ضمان تموين السوق الوطنية، خصوصًا عندما تسجل مادة أساسية نقصًا ملموسًا أو ارتفاعًا استثنائيًا في الأسعار. 


وعليه، يمكن دراسة تدابير مؤقتة ومتناسبة لتأمين الحاجيات الداخلية في حالات الخصاص الفعلي، شريطة أن تستند إلى بيانات موثوقة، وأن تُحدد وفق طبيعة الأزمة ومدتها، وأن تراعي القوانين والالتزامات التجارية للمغرب، وألا تتحول إلى قيود عشوائية تضر بالمنتجين أو الأسواق المستهدفة أو سمعة الصادرات الوطنية. والهدف ليس المفاضلة المطلقة بين التصدير والاستهلاك الداخلي، بل بناء توازن عقلاني يضمن استدامة الإنتاج والتنافسية، ويحمي في الوقت نفسه حق المواطن في الحصول على المواد الغذائية الأساسية. 


ومن العناصر التي ينبغي أن تحظى بأهمية خاصة كذلك تكوين الاحتياطات الاستراتيجية من المواد الغذائية الأساسية. فالتجارب التاريخية، من تخزين المحاصيل في المطامير إلى بناء منظومات حديثة للتخزين، تؤكد أن الاستعداد للأزمات أكثر فعالية من انتظار وقوعها. ويقتضي ذلك تحديد المواد الأكثر أهمية وحساسية بالنسبة إلى الأمن الغذائي، وتقييم مستوى المخزون المتاح بصورة دورية، وتطوير بنية التخزين والصوامع ومرافق التبريد، وتنويع مصادر الاستيراد، ووضع خطط للتدخل عند اضطراب الأسواق أو تراجع الإنتاج المحلي. 


ولا ينبغي أن يقتصر التخزين الاستراتيجي على تجميع الكميات، بل يجب أن يشمل آليات واضحة لتجديد المخزون وتدويره، وضمان جودة المواد المخزنة، وتحديد الجهات المسؤولة عن التدبير، ووضع مؤشرات للإنذار المبكر بشأن الجفاف والإنتاج والأسعار والتوريد الدولي. فالمخزون الفعال هو الذي يمكن تعبئته عند الحاجة، دون أن يؤدي سوء تدبيره إلى الهدر أو الكلفة غير الضرورية. كما أن الأمن الغذائي لا يتحقق بالمخزون وحده، وإنما بتكامل الإنتاج المحلي والاحتياطات وتنويع الواردات وتطوير شبكات النقل والتوزيع. 


وإلى جانب ذلك، ينبغي التعامل مع الفلاحة باعتبارها منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة، يكون فيها الفلاح شريكًا أساسيًا في بناء السيادة الغذائية، لا مجرد منتج يتحمل وحده تقلبات المناخ والأسعار. وهذا يقتضي تحسين الولوج إلى التمويل والتأمين الفلاحي، وتطوير الإرشاد والتكوين، وتشجيع التعاونيات والتجميع الفلاحي حيث يكون ذلك مناسبًا، ودعم الابتكار والتكنولوجيا الزراعية، وتيسير وصول صغار الفلاحين إلى المدخلات والأسواق. كما يستدعي تقوية البحث العلمي لتطوير أصناف ملائمة للجفاف والحرارة، وتحسين مقاومة المحاصيل للأمراض، ورفع الإنتاجية مع ترشيد استعمال الماء والأسمدة. 


ولا يمكن إغفال أهمية تقليص ضياع الغذاء وهدره في مختلف مراحل السلسلة، من الحصاد إلى التخزين والنقل والتسويق والاستهلاك. فجزء من الغذاء المنتج قد لا يصل إلى المستهلك بالكفاءة المطلوبة بسبب ضعف البنية اللوجستية أو التلف أو سوء التخزين أو اختلال تنظيم الأسواق. ويؤدي ذلك إلى إهدار الموارد المائية والأرضية والطاقية التي استُعملت في الإنتاج، فضلًا عن خسارة اقتصادية كان بالإمكان تجنبها. ومن شأن الاستثمار في سلاسل التبريد والتوضيب والتحويل الغذائي، وتطوير أساليب التخزين والنقل، وتحسين تدبير الفائض، أن يعزز الكفاءة الغذائية من دون الحاجة دائمًا إلى توسيع الإنتاج. 


وتبرز هنا أيضًا ضرورة التنسيق بين مختلف القطاعات والمؤسسات، لأن السيادة الغذائية لا يمكن أن تكون مسؤولية وزارة واحدة بمعزل عن باقي المتدخلين. فهي تتصل بالماء والطاقة والتجارة والصناعة والنقل والبحث العلمي والمالية والتعليم والصحة، فضلًا عن الجماعات الترابية والمهنيين والتعاونيات والمستهلكين. لذلك، فإن أي تطوير مؤسساتي لهذا الملف ينبغي أن يقترن بتحديد واضح للاختصاصات والمسؤوليات، وتنسيق السياسات والبرامج، ووضع أهداف قابلة للقياس، ونشر مؤشرات دورية تسمح بتقييم النتائج وتصحيح الاختلالات. 


ومن بين هذه المؤشرات، يمكن تتبع تطور الإنتاج الوطني من الحبوب والقطاني والخضر والفواكه واللحوم والأسماك، ودرجة الاعتماد على الاستيراد في المواد الأساسية، وكلفة الأسمدة والأعلاف، ومستوى المخزونات الاستراتيجية، وحجم ضياع الغذاء، وتطور أسعار المواد الأساسية مقارنة بدخل الأسر، إلى جانب مؤشرات استهلاك المياه واستدامة الموارد الطبيعية. فمثل هذه المعايير تسمح بالانتقال من الشعارات العامة إلى تقييم موضوعي لمدى تقدم البلاد نحو أمن غذائي أكثر استقرارًا وسيادة غذائية أكثر فعالية. 


إن الرهان الحقيقي لا يكمن في تغيير التسمية الإدارية وحده، بل في تحويل هذا التوجه إلى مشروع وطني متكامل يوازن بين الإنتاج والتصدير والاستهلاك الداخلي، وبين المردودية الاقتصادية وحماية الموارد، وبين متطلبات السوق اليوم وحقوق الأجيال المقبلة. فالمغرب يتوفر على مؤهلات مهمة، من موقع جغرافي وشبكات تجارية وخبرة فلاحية وثروة فوسفاطية وموارد بحرية، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحديات الجفاف وندرة المياه وتقلب الأسواق وكلفة الإنتاج وتفاوت القدرة الشرائية. والتعامل مع هذه المعادلة يقتضي سياسة طويلة النفس، تستند إلى العلم والتخطيط والتنسيق والمحاسبة، بدل الاقتصار على التدخلات الظرفية. 


وخلاصة القول، إن إضافة السيادة الغذائية إلى اسم وزارة الفلاحة والصيد البحري يمكن أن تشكل خطوة استراتيجية مهمة، شريطة ألا تظل مجرد تعديل في التسمية، بل أن تتحول إلى سياسة عمومية متكاملة ذات أهداف واضحة وبرامج محددة وآليات للمحاسبة والتقييم. ولتحقيق ذلك، يبدو من الضروري اعتماد خارطة طريق وطنية للسيادة الغذائية، تُحدَّد فيها المواد الأساسية ذات الأولوية، ومستويات الإنتاج الوطني المستهدفة، ودرجة الاعتماد المقبولة على الاستيراد، والاحتياطات الواجب تكوينها، مع مراعاة الإمكانات المائية والمالية والبيئية للمملكة. 


وتقتضي هذه الخارطة، في المقام الأول، إحداث منظومة دقيقة للرصد والإنذار المبكر، تجمع المعطيات المتعلقة بالإنتاج والمخزون والأسعار والواردات والصادرات وتوقعات التساقطات، بما يسمح بالتدخل الاستباقي قبل تحول أي نقص محتمل إلى أزمة تموين أو موجة جديدة من ارتفاع الأسعار. كما ينبغي وضع برنامج عملي لتكوين الاحتياطات الاستراتيجية من المواد الغذائية الأساسية، وتحديث مرافق التخزين والتبريد، وضمان تجديد المخزونات وتدويرها وفق معايير تضمن الجودة وتحد من الهدر. 


وفي المجال الفلاحي، يتعين توجيه الدعم والاستثمار نحو الزراعات التي تحقق قيمة غذائية واقتصادية مهمة، مع مراعاة حاجيات السوق الوطنية والموارد المائية المتاحة، وتوسيع استعمال تقنيات الري المقتصد للماء، وتشجيع البذور الملائمة للجفاف، وتحسين تدبير التربة. كما ينبغي تحويل الثروة الفوسفاطية إلى رافعة مباشرة للإنتاج الوطني، عبر تطوير صناعة الأسمدة وتيسير حصول الفلاحين، ولا سيما صغارهم، عليها بكلفة مناسبة، وربط استعمالها بالإرشاد الزراعي والتحاليل العلمية للتربة، بدل الاكتفاء بقياس النجاح بحجم الإنتاج أو الصادرات. 


أما في قطاع تربية الماشية، فينبغي اعتماد برنامج متعدد السنوات لإعادة تكوين القطيع، يقوم على تحسين إنتاج الأعلاف محليًا، وحماية المراعي، وتقوية الخدمات البيطرية، ودعم المربين وفق معايير شفافة، مع تتبع تطور العرض وكلفة الإنتاج وانعكاسهما على أسعار اللحوم والحليب. وبالنسبة إلى الصيد البحري، فإن الأولوية تتمثل في حماية المخزون السمكي، ومحاربة الصيد غير القانوني، وتطوير التخزين والتحويل والتوزيع، بما يضمن استدامة الثروة البحرية ويحسن استفادة المستهلك المغربي منها. 


ولحماية القدرة الشرائية، ينبغي العمل على تقليص الفاقد الغذائي، وتحسين أسواق الجملة ومسالك التسويق، وتطوير سلاسل التبريد والنقل، وتعزيز الشفافية في الأسعار، ومراقبة الممارسات المخلة بالمنافسة. كما يتعين إرساء آلية دورية لتقييم حاجيات السوق الداخلية قبل اتخاذ القرارات المتعلقة بتصدير المواد التي قد تعرف خصاصًا، مع إمكان اعتماد تدابير مؤقتة ومتناسبة عند الضرورة، وفق القانون والالتزامات التجارية للمغرب، بما يحقق التوازن بين مصالح المنتجين ومتطلبات التصدير وحق المواطنين في التموين بأسعار معقولة. 


ولضمان التنفيذ الفعلي، سيكون من المفيد نشر تقرير سنوي عن السيادة الغذائية يتضمن مؤشرات قابلة للقياس بشأن تطور الإنتاج المحلي، والتبعية للاستيراد في المواد الأساسية، ومستويات المخزون، وكلفة المدخلات الفلاحية، وأسعار الغذاء، ومقدار المياه المستعملة في الإنتاج، ونسبة الهدر الغذائي. وينبغي أن يُرفق هذا التقرير بتقييم للبرامج المنجزة، وتحديد مواطن التعثر، واقتراح إجراءات تصحيحية، بما يعزز الشفافية ويربط المسؤولية بالنتائج. 


إن السيادة الغذائية لا تعني أن ينتج المغرب كل ما يستهلكه مهما كانت الكلفة، ولا أن يتخلى عن التجارة الدولية، بل أن يمتلك القدرة على تحديد أولوياته، وحماية موارده، وتنويع مصادر تموينه، وتقوية إنتاجه حيث يكون ذلك مستدامًا ومجديًا، والاستعداد للأزمات قبل وقوعها. وهي مسؤولية مشتركة تستدعي تنسيقًا فعليًا بين القطاعات الحكومية والمنتجين والمهنيين والباحثين والجماعات الترابية، ضمن رؤية طويلة المدى تتجاوز التدخلات الظرفية. 


وعليه، فإن الاختبار الحقيقي لإضافة السيادة الغذائية إلى اسم الوزارة لن يكون في الصياغة الإدارية، بل في قدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين: غذاء متوفر وآمن، وأسعار أكثر استقرارًا، وفلاح قادر على الإنتاج بكرامة ومردودية، وموارد مائية وطبيعية مصونة، واقتصاد أقل تعرضًا للصدمات الخارجية. فالسيادة الغذائية ليست مجرد عنوان مؤسساتي، بل عقد عملي بين الدولة والمنتج والمستهلك، يبدأ بالتخطيط وحسن التدبير، ويُقاس بالنتائج، وتكمن غايته النهائية في ضمان حق المواطن في الغذاء وصون استقلال القرار الوطني.