وشهدت الندوة المنظمة من طرف "مجلس مغاربة فنلندا" تحت عنوان "الأبعاد الثقافية للتنمية الجهوية في إفريقيا: الصحراء المغربية نموذجا"، والتي أدار أشغالها الفاعل الجمعوي إسماعيل بنعلال، نقاشاً عميقاً بين نخبة من الباحثين والفاعلين المدنيين والإعلاميين القادمين من فنلندا وإفريقيا والشرق الأوسط، حيث ركزت المداخلات على تبادل الخبرات الدولية واستشراف آفاق التعاون بين مختلف القارات.
وفي هذا الصدد، سلط آري بيتايافارا، رئيس جمعية أصدقاء المغرب الفنلنديين، الضوء على التجربة الفنلندية في توظيف التنوع الثقافي كأداة لتعزيز التماسك الاجتماعي وخلق الفرص الاقتصادية. وأوضح أن المفهوم الشامل للثقافة يتجاوز حدود التكنولوجيا والابتكار ليشمل الأدب والفنون والمطبخ، باعتبارها وسائل حيوية لبناء الجسور بين الأفراد والمؤسسات، وتسهيل اندماج الوافدين الجدد في المجتمع، بما يؤسس لبيئة محفزة للنمو المستدام.
من جانبها، دعت الإعلامية والناشطة النيجيرية تومي فالادي إلى إعادة تعريف مفاهيم التنمية والثروة في السياق الإفريقي، مؤكدة أن مقومات القارة لا تنحصر في الأرقام والمؤشرات المادية فحسب، بل تمتد لتشمل التنوع الثقافي والروابط الاجتماعية الوثيقة. وأبرزت فالادي الدور المحوري للغات الأم والحكايات الشعبية في صقل التفكير النقدي وتنمية القدرات البشرية، داعية إلى استثمار التراث الحي وتكييفه مع التحولات المعاصرة لإطلاق طاقات الاقتصادات الإبداعية.
وفي سياق متصل، شدد الباحث والناشط اليمني محمد منتصر على أهمية الدبلوماسية الثقافية وصون الموروث المادي وغير المادي، موضحاً أن حماية التاريخ لا تقف عند حدود المواقع الأثرية، بل تتعداها إلى صون المعارف البيئية والحرف التقليدية المتوارثة. ودعا منتصر إلى مد جسور الشراكة بين إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا لمواجهة التحديات الكبرى المتمثلة في التغير المناخي وتدبير الموارد المائية، مع تحويل هذه النقاشات إلى مبادرات عملية على أرض الواقع.
وفي محور خصص للدينامية التنموية بالجنوب المغربي، قدم محمد العراقي، رئيس مجلس مغاربة فنلندا، عرضاً مفصلاً حول ارتباط الثقافة الحسانية بالهوية الوطنية المغربية، مبرزاً العناية الدستورية التي تحظى بها صيانة هذا الموروث. وأشار العراقي إلى الدور المحوري للمرأة الصحراوية في صون التقاليد ودعم النسيج الاجتماعي والاقتصادي، مستعرضاً في الوقت ذاته المكاسب الميدانية للنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية الممتد منذ عام 2015 بوعاء استثماري يناهز 77 مليار درهم.
واختتم العراقي عرضه بالتركيز على المشاريع الاستراتيجية المهيكلة بالمنطقة، وفي مقدمتها مشروع ميناء الداخلة الأطلسي والطريق السريع الرابط بين تيزنيت والداخلة، إضافة إلى ورش الجهوية المتقدمة وتطوير البنيات الصحية والطاقية. وأكد المتحدث أن هذه الأبعاد التنموية والثقافية تعزز المبادرة المغربية للحكم الذاتي كحل سياسي وعملي لتسوية النزاع المفتعل، مبرزةً قدرة الثقافة على التحول إلى قوة ناعمة تدعم الحوار والتقارب بين الشعوب وتفتح آفاقاً جديدة للشراكة الدولية.






