مجتمع وحوداث

القيم في المدرسة المغربية

حسن إيغلان (باحث وكاتب)
ما الذي نعنيه بالقيم الآن وهنا ؟ أو بالأحرى ما الذي يدفعنا، وبإلحاح هذه المرة، إلى الحديث عن القيم في المدرسة المغربية ؟ لا يعنى هذا أن هذه الموضوعة ، موضوعة جديدة بل هي قديمة قدم المدرسة ذاتها ، ولأن الأمر كذلك، فنحن ، بانتمائنا الجغرافي نكون على بعد كبير من حداثة أوروبا. يعنى أننا لا نقيس مدرستنا إلا بعيار الأخر- الغرب ما دام هذا الأخير قد أسسها بشكلها الحديث، بل ساهم فى بناء جسوره بینها و بين العالم ، لا نقول ما تحدث به المستقبليون في كون المدرسة بوابة لتقويم الدول - قد نحيل هنا إلى المدرسة الفنلندية التي تعتبر الآن أحسن مدرسه في العالم .

 المسألة لا تفيد المقارنة بين مدرسة وأخرى، بين منهاج تعلیمی وآخر بقدر ما تفيد وضع المدرسة موضع سؤال قیمي وعلمي. نعني بذلك ما الحدود التي تقدمها المدرسة في بناء مجتمع؟ عبر ترسيخ قيم معينة وأن البلد الذي تتحدث عنه هو المغرب ، وأن هذا الأخير في بلاغته السوسيولوجية مجتمع مُرَكَّب كما قاربه بُول باسكون أي من حيث هو مجتمع تتعايش وتتصارع فيه قيم مختلفة من ثقافة الأم إلى الإسلام وكذلك ثقافة الحداثة الكونية الغربية. 

 إذن كيف نحدد هذا الخصام أو بالأحرى، كيف تقارب مفهوم التربية على المواطنة في المدرسة المغربية ؟ إذن ما الذي يؤسسه خطاب الحداثة الغربية على هذا الذي نسميه المواطن؟

 لا أحد من المتتبعين لهذا للمفهوم يستطيع التهرب من ثلاث محطات رئيسية في تاريخ بنائه وهي :

-إن العقل هو أعدل قسمة بين الناس ديکارت 

-إن الحرية هي أعدل قسمة بين الناس "روسو" 

-إن الكرامة هي أعدل قسمة بين الناس " کا نط 

لا غرابة إذن أن تتأسس الحداثة الغربية على ثلاثة مفاهيم ، - العقلانية: الفردانية والحرية ، إذا اعتبرنا الأمر كذلك ونحن اليوم في القرن 21 الذي تم بمقتضاه هدم الأوطان والحدود والقيم بمعنى أن العالم أضحى قرية صغيرة تستطيع من خلالها التعايش والتحاور وما إلى ذلك لكن مع ذلك يوقدنا کا نط بقوله " إن التناهي الجغرافي لأرضنا يفرض على ساكنتها مبدأ الضيافة الكونية ، ويعرض عليهم الاعتراف بحق الغير من أن يعامل كعدو وانطلاقا من القرن 20، أصبحت الجماعة البشرية محكومة بمصير أرضي مشترك ، يعرض علينا بإلحاح بمصير التضامن 

 إن الضيافة الكونية في تحقيق الإنسانية، أي تحقيق السعادة على الأرض، بدل الشرور المندفعة بالقتل والدمار والفقر والحرب والكراهبة والظلامية، والأصوليات المتعددة وما إلى ذلك، كأن شوط الحفاظ على إنسانية الإنسان هو التضامن أنها ترسيخ يقول ادر غار موران ، لننقد الإنسانية بالعمل على تحقيقها "قسم الحداثة الكونية . لكن بأي معنى تقلب زاوية نظرنا من هذا المجال الفكري إلى المغرب ؟ كبلد تعود الجميع تسمية بدولة في طريق النمو. لقد قلنا سابقاً إن التربية على المواطنة هي تحقيق للحداثة. إلا أن أعطابنا المتعددة تمنعنا من تحقيق ذلك، فمنا من يرجع إلى الأصل الديني للقيم بما فيها قيم الطاعة، ومنا من يدافع على خصوصية عمياء كأن البحث عن هذه الخصوصية هو تسوير للمغرب حتى لا يفسده الآخر الذي يسكنه. و بالمحصلة : لا مناص من التمترس خلف الحداثة الكونية ، سواء تعلق الأمر بترسيخ مبادئ حقوق الإنسان، والتسامح والحق في الاختلاف، وبالجملة ترسيخ مدينة قائمة على المواطنة، ضدا على أي انجراف معولم ، يدمر الخيال والحلم في المدرسة ، كما في الواقع، ويضع الشرط الافتراضي كائنا موثوقا به. أي إنسان خاضع للذة الاستهلاك ومنسلخ من جماعته. 

إننا لن نحصل على التربية على المواطنة إلا بشرطها اللازم وهو الديمقراطية. لیست الديمقراطية هنا غاية في السياسة بقدر ما هي مشتل نعلمه ونتعلمه في المدرسة والبيت والفضاء العمومي ، وما أحوجنا أن نكون مواطنين لا رعايا وأن يكون هذا المواطن متشبعا بحقوقه مثلما يقوم بواجباته. إن شرط تدريس القيم بالمدرسة المغربية لا يتأتى إلا بخلق الفرح والحب داخل المدرسة وإن كان هذا التصور لا تبتغيه البيداغوجيات الحديثة التي تروم التقنية . خَلق مدرسة مواطنة هو بالأساس قرار سياسي، إلا أن هذا القرار لن يكون إلا إذا عادت المدرسة إلى مجالها الذي تواضعنا على تسميته بمدرسة منتجة للإبداع والثقافة والفكر والحوار الديمقراطي،بدل حجب عيون التلميذ بتعاويذ القرون الوسطى ، ومزامير الاعلام الجديد,

      في المواطنة تكمن دلالة الوطن، ويرجع المصطلح إلىla cité / المدينة بالمعنى اليوناني - التربية على المواطنة هي تربية على المدينة. لهذا فالمعنى السياسي للمواطنة (كما نحتتها فلسفة الأنوار القرن 18) بأوروبا مبطن في أي خطاب تربوي حولها. لكن ما الذي نعنيه بالمواطنة ؟ لقد عرف العالم تحولا كبيرا في القرن 15 و16 اي منذ اكتشافات کوبرنیک و غالیلي، نحيل هنا إلى كون الأرض كروية الشكل تدور مرة حول نفسها وحول الأرض ، بينما في التصورات السابقة كانت الأرض ثابتة مسطحه ممركزة وسط الكون. إن هذا الاكتشاف العلمي شكل ثورة معرفية، تم بمقتضاها تغيير رؤية الإنسان إلى العالم, هذا الإنسان الذي توطن في الأرض وعليها - وَأَضْحَت خيراتها في ملكيته،فلم يعد للسماء دور موجه ومكمل ومنقد بل أضحى الإنسان سيد الطبيعة ، من هنا اكتشف الإنسان أنه وحيد في الأرض وأن الكواكب الأخرى لا امتياز لها على المستوى الانطلوجي. 

انتبه الإنسان إلى وضعه الجديد، ولم يعد محتاجاً إلى السماء، إلى ذبح القرابين كي يتخلص من الشرور..الخ. لقد صار من اللازم تحقيق الجنة على الأرض.هذا هو المواطن الجديد الذي يقطن الأرض، والذي يسعى الخطاب الحقوقي الحديث إلى تربيته عليه.