القراءة المقارنة بين مرتكزات قوانين المالية التي ميزت حكومة عزيز أخنوش ومرتكزات أول مشروع قانون مالية لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري تكشف عن تحول واضح في ترتيب الأولويات وفي صياغة الرهانات الاقتصادية والاجتماعية، فبعد مرحلة ارتكزت على مواصلة تعزيز أسس الدولة الاجتماعية، وتوطيد دينامية الاستثمار وخلق فرص الشغل، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية، وضمان استدامة المالية العمومية، يأتي مشروع مالية 2027 ليضع استعادة القدرة الشرائية في صدارة الأولويات، ويجعل إدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل اللائق محورا مستقلا، ويمنح التنمية الترابية المندمجة والسيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية موقعا مركزيا، بما يعكس انتقالا من عناوين التدبير العام إلى رهانات أكثر التصاقا بالانتظارات اليومية للمواطنين وبالتحولات الاستراتيجية التي يعرفها المغرب.
والتحول الأبرز هنا هو الانتقال من منطق الاستمرارية في البرامج إلى منطق إعادة ترتيب الأولويات وربطها بنتائج ملموسة، فالدولة الاجتماعية لم تعد محصورة في توسيع التغطية والحماية الاجتماعية، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر باستعادة القدرة الشرائية، وإصلاح الأسواق والأسعار، والرفع من الدعم الاجتماعي المباشر، وتأهيل المدرسة والمستشفى العموميين، كما أن التشغيل لم يعد مجرد نتيجة منتظرة لدينامية الاستثمار، بل أصبح قضية تستدعي سياسة وطنية مندمجة تواكب الشباب من التعليم والتكوين إلى الشغل والسكن، في اعتراف صريح بأن تعدد البرامج القطاعية المتفرقة لم يعد كافيا للاستجابة لحجم التحديات، وهو ما يمنح التوجه الجديد بعدا أكثر وضوحا في تحديد الأولويات والفئات المستهدفة.
وعلى مستوى التنمية والاستثمار، ينتقل الخطاب المالي من التركيز العام على توطيد دينامية الاستثمار إلى إبراز التنمية الترابية المندمجة كرافعة لإعادة توزيع فرص التنمية، مع تخصيص 25 مليار درهم لتسريع تنزيل برامجها، ومن الرهان على النمو الاقتصادي إلى ربطه بتعزيز السيادة الوطنية في مجالات الماء والطاقة والغذاء والرقمنة، وهي نقلة مهمة في تصور دور الدولة، باعتبارها مطالبة ليس فقط بتحفيز الاستثمار، بل أيضا بتوجيه أثره نحو تقليص الفوارق المجالية، وتعزيز صمود الاقتصاد، وتطوير منظومات صناعية سيادية، مع الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية والمالية، بما يجعل الاستدامة المالية وسيلة لتمويل الطموح الاجتماعي والاستراتيجي، لا مجرد هدف محاسباتي مستقل.
أول مشروع قانون مالية لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري يقدم، من حيث هندسة الأولويات، مؤشرات على تجديد في المقاربة وإعادة ترتيب لمركز الثقل في السياسات العمومية، والرهان اليوم هو ترجمة هذا التحول في الخطاب إلى تحول فعلي في النتائج، عبر تحسين دخل الأسر وقدرتها الشرائية، وخلق فرص شغل مستدامة للشباب، وتقليص الفوارق بين الجهات، والارتقاء بجودة الخدمات العمومية، وتوسيع قاعدة الاقتصاد المنتج، فالفارق بين مرحلة وأخرى لا يحسمه اختلاف العناوين وحده، بل تقاس أهميته بمدى قدرة الاختيارات الجديدة على تصحيح الاختلالات السابقة وتحويل الالتزامات إلى منجزات قابلة للقياس، وهنا تحديدا ستختبر حكومة المنصوري قدرتها على جعل مالية 2027 نقطة تحول في العلاقة بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والتنمية الترابية.






