Mهذا المقال مستوحى من دردشة جمعتني بالصديق العزيز الإعلامي والروائي ياسين عدنان حول أهمية النشر في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، كنا متفقين خلالها على أن لهذا النشر وقعا خاصا لا توفره المنابر الأخرى.
لكن الممارسة اليومية علمتني حقيقة أكثر تعقيدا، وهي أن النشر في الجرائد والمواقع الإلكترونية يؤثر بشكل مباشر على منسوب القراءة في صفحات التواصل، لكن في اتجاهين متناقضين تماما.
الاتجاه الأول إيجابي: حين تنشر فكرة جديدة في جريدة ذات صيت، فإنك تمنحها شهادة ميلاد ورأسمالا رمزيا. الجريدة تمنح الشرعية. حينها يأتي القارئ إلى صفحتك على فايسبوك ليبحث عن بقية الفكرة وليكمل النقاش. هنا، الجريدة ترفع منسوب القراءة على مواقع التواصل، لأنها تحول القارئ من مستهلك للخبر إلى باحث عن النقاش.
أما الاتجاه الثاني فهو سلبي وهو موضوعنا: حين تقوم بنشر نفس الموضوع، بنفس الصياغة ونفس الفقرات، في الجريدة وفي موقعها الإلكتروني وفي صفحتك على فايسبوك، فإنك عمليا تقتل الفكرة على فايسبوك. ينخفض منسوب قراءتها وتفاعلها بشكل حاد. والسبب بسيط وعميق في نفس الوقت: قارئ الجريدة يبحث عن خبر منته، بينما قارئ فايسبوك يبحث عن تجربة حية لم تنته بعد. التكرار يحول الفكرة من فعل تواصلي حي إلى مجرد إشهار ذاتي مستهلك.
وهذا التناقض هو بالضبط ما شرحه الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس منذ عقود.
يرى هابرماس أن الوعي الحقيقي لا يُصنع في المنابر الرسمية التي تحتكرها الدولة والنخبة، بل في ما يسميه "المجال العمومي". في القرن الثامن عشر، كان هذا المجال هو المقهى والصالون الأدبي، حيث يلتقي الناس كأنداد، أحرارا، ليناقشوا شؤونهم المشتركة بعقلانية.
ثم رصد هابرماس ما أسماه "التحول البنيوي للمجال العمومي". هذا الفضاء الحر تم استعماره من طرف المال والسلطة والإعلام الرسمي. تحول المواطن من مشارك في صناعة الرأي إلى مجرد مستهلك للأخبار. وهذا ما يحدث اليوم حين ننشر في الجريدة فقط. نحن نمارس ما يسميه هابرماس "الفعل الاستراتيجي": فعل يهدف إلى التأثير والإقناع من فوق، عبر وسيط، عبر حاجز، عبر مسافة رسمية تفصل الكاتب عن قارئه.
أما النشر على حائط فايسبوك، فهو عودة مفاجئة ومثيرة إلى المجال العمومي الأصلي. هنا نمارس "الفعل التواصلي": فعل يهدف إلى التفاهم لا إلى الإخبار. هنا تسقط المسافة ويلغى الوسيط، وتولد تلك الحميمية النادرة.
وهذا تحديدا ما فاجأني ولم أكن أتوقعه. نشرت مواضيع تربوية كنت أظنها جافة وتقنية، لا تهم إلا أهل الميدان، فإذا بها بفضل الفعل التواصلي تتحول إلى ورشة مفتوحة يتقاسم فيها الجميع تجاربهم الحية. لا يعلق عليك قارئ مجهول، بل يعلق أستاذ يحكي عن قسمه، وأب يحكي عن ابنه، وتلميذة تعترض من قلب التجربة.
وقادني هذا إلى جرأة أخرى. كتبت مواضيع تمس الشأن السياسي من زاويته التربوية اليومية، مواضيع كنت أتردد في طرحها في منبر رسمي خوفا من تأويلها أو من مقص الرقيب الداخلي، فإذا بها تجد وقعا مباشرا وتفاعلا عميقا ومسؤولا، يختلف برقي ويناقش بوعي.
من هنا تتضح القاعدة السوسيولوجية التي تحكم كل ما سبق: قيمة الفكرة لا يحددها وعاؤها النبيل، بل قدرتها على الاحتكاك. الفكرة التي تُحرس في رف أنيق في الجريدة تذبل وتموت كخبر، والفكرة التي تُرمى بين الناس على الحائط تنضج وتتولد من جديد.
وهذا ليس بدعة رقمية، بل هو أصل التقليد الفكري الحي. الجاحظ كتب للناس كافة بلغة يفهمونها، لأنه أراد الأثر لا الحفظ. ورواد التنوير هجروا قاعات الأكاديمية المغلقة ونزلوا إلى المقاهي، لأنهم علموا أن الوعي لا يُصنع في العزلة.
مقهى هابرماس بالأمس، هو حائط فايسبوك اليوم. الكتاب له مقامه المحفوظ، والجريدة لها ضرورتها كمانحة للشرعية الأولى، لكن ساحة الاشتباك الحقيقي الوحيدة المتبقية لصناعة الوعي، هي تلك الحميمية النادرة بين من يكتب ومن يقرأ، تلك التي تجعل الكتابة فعلا إنسانيا حيا، لا مجرد حروف على ورق.






