تحولت التفاوتات المجالية الحادة بين العاصمة الإدارية ومحيطها القروي المباشر إلى محط نقاش عمومي وازن، إثر الرسالة المفتوحة التي وجهها الفاعل الجمعوي والمواطن ابن مدينة الرماني، ميلود الهاشيمي، إلى رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، داعياً فيها إلى إعادة صياغة المعالم الترابية لمشروع "الرباط مدينة الأنوار"، بما يضمن امتداد شعاعه التنموي إلى دائرة الرماني ومنطقة زعير برمتها.
وجاء هذا التحرك الداعي إلى ربط الدينامية التنموية للعاصمة بمجالها الخلفي استناداً إلى بيانات رسمية صادرة عن الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024. وكشفت الأرقام المعروضة عن فجوة تعليمية واجتماعية عميقة تشهدها المنطقة القريبة جغرافياً من مركز القرار؛ حيث بلغت نسبة السكان الذين لا يتوفرون على أي مستوى دراسي 52.2 في المائة بجماعة الغوالَم، و51.2 في المائة بجماعة جمعة مول البلاد، و48.6 في المائة بجماعة عين السبيت، في مقابل معدل جهوي لا يتجاوز 29.4 في المائة على صعيد جهة الرباط-سلا-القنيطرة.
ولا تقف مؤشرات الخلل عند مستويات الأمية والتعليم الأساسي، بل تمتد لتطال نسب الولوج إلى التعليم العالي التي سجلت انخفاضاً حاداً في الجماعات ذاتها؛ إذ لم تتعدَّ 2.6 في المائة بجمعة مول البلاد، و2.8 في المائة بالغوالَم، و4.1 في المائة بعين السبيت، مقارنة بالمتوسط الجهوي البالغ 12.6 في المائة. وتضع هذه المعطيات الرقمية تكافؤ الفرص على المحك، محولةً القرب الجغرافي والمؤسساتي من العاصمة إلى مفارقة تنموية تستوجب الانتقال السريع من منطق التشخيص إلى اعتماد برامج عمل إجرائية محددة الأهداف والآجال.
وفي هذا السياق، ينطلق النداء من استحضار الخطاب الملكي لعيد العرش الصادر في 29 يوليوز 2025، والذي شدد فيه الملك محمد السادس على أنه "لا مكان، اليوم ولا غداً، لمغرب يسير بسرعتين"، ليجعل من هذا التوجيه المرجعي نقطة ارتكاز للمطالبة بإرساء نموذج جديد للتكامل الترابي. وتتلخص الرؤية المقترحة في جعل إشعاع مشروع "الرباط مدينة الأنوار" متجاوزاً للحدود الحضرية الضيقة للبنيات التحتية والجمالية المعمارية، عبر استثمار المؤهلات الفلاحية والبشرية والتاريخية لمنطقة زعير، لتحويلها من مجال هامشي إلى شريك تنموي فاعل.
ولترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس، تضمن النداء حزمة من المقترحات العملية المصممة في قالب خطة تنموية شاملة. وتبدأ هذه الخطة بإطلاق دراسة ترابية تشاركية تهدف إلى صياغة مخطط تنموي متعدد السنوات بميزانية محددة ومؤشرات قياس دقيقة، بمشاركة كافة القطاعات الحكومية والمجالس المنتخبة والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني. ويثير المقترح أهمية وضع التعليم والتكوين المهني في صدارة الأولويات، عبر إطلاق برامج مخصصة لمكافحة الهدر المدرسي والأمية، وتسهيل ربط شباب المنطقة بالمؤسسات الجامعية في العاصمة من خلال آليات مواكبة وتوجيه فعالة.
كما تشدد الطروحات المقدمة لرئيسة الحكومة على ضرورة التغلب على عقبات العزلة من خلال تحديث شبكات الربط الطرقي وتطوير خدمات النقل العمومي وبين الجماعات، لتقليص كلفة الوصول إلى الخدمات الأساسية وتسهيل التنقل اليومي للطلبة والعمال. ويدعو النداء إلى خلق دينامية اقتصادية محلية تثمن المنتجات الفلاحية وتدعم المقاولات الصغرى والتعاونيات، مع ربطها بالأسواق والمؤسسات الكبرى بالرباط، بالتوازي مع تقوية العرض الصحي الأولي، وتحسين شبكات الماء الصالح للشرب، والربط بالإنترنت، والخدمات الرقمية.
ولضمان نجاعة هذه المبادرة وعدم إفراغها من محتواها العملي، اقترح صاحب الرسالة إحداث آلية مؤسساتية للتنسيق تضمن ربط المشاريع الكبرى للعاصمة بحاجيات المجال الخلفي، مع اعتماد تقارير دورية ومؤشرات إنجاز سنوية تقيس مدى التقدم في تقليص نسب الأمية والبطالة وتحسين الخدمات. وتستهدف هذه الدينامية المأمول إطلاقها تحقيق تقارب تنموي يكرس مفهوم التضامن الترابي، ويؤكد أن العاصمة الحقيقية هي التي يمتد نفعها وإشعاعها ليشمل كافة أطرافها القروية والحضرية على حد سواء.






