في نظري المتواضع هذا سؤال يستحق أن نطرحه على أنفسنا، ونحن نتابع ما يجري في واقعنا السياسي، سواء داخل المؤسسات والهيئات الحزبية، أو في العالم الافتراضي بحيث تحولت النقاشات السياسية، في كثير من الأحيان، إلى تبادل للاتهامات، وتصفية للحسابات، وتخوين للمخالف، وصراع حول الأشخاص بدل الأفكار والبرامج.
لكن، بعيداً عن الأحكام المسبقة والتعميم، أليس من الضروري أن نتوقف قليلاً لنسأل: ما السياسة؟ وهل هي مجرد حق في التعبير والصراع من أجل الوصول إلى السلطة، أو هي حق التعبير للهجوم على الآخر المخالف، أم هي ممارسة تحكمها قواعدومبادئ ومسؤوليات؟ السياسة، في جوهرها، ليست مجرد رغبة في الحكم، ولا وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية أو الحزبية، بل هي تدبير للشأن العام، وتنافس حول الأفكار والاختيارات والاجتهاد في البرامج، بهدف تنظيم المجتمع وتحسين ظروف عيش المواطنين. وهي، بهذا المعنى، حق في الاختلاف، ومسؤولية في اتخاذ القرار،والتزام تجاه المصلحة العامة. فهل للسياسة قواعد يجب احترامها؟ بالتأكيد، إذا أردنا لها أن تكون ممارسة ديمقراطية مسؤولة، لا مجرد صراع مفتوح بلا ضوابط. ومن أهم هذه القواعد: أولاً: الاحتكام إلى القانون والمؤسسات الحقيقية، لأن الديمقراطية لا تقوم على الأهواء، ولا على فرض الأمر الواقع، بل على احترام الدستور والقوانين، وضمان تكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ثانياً: احترام الاختلاف، لأن الخصم السياسي ليس عدواً بالضرورة، والمعارض ليس خائناً، والمخالف في الرأي لا يفقد حقه في التعبير. فالسياسة تبدأبالحوار، ولا تنتهي بإلغاء الآخر. ثالثاً: التنافس على أساس البرامج والأفكار، لا على أساس الأشخاص والولاءات والمال والنفوذ. فالمواطن ليس مجرد صوت انتخابي، والحزب ليس آلة انتخابية، والانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لاختيار من يتولى تدبير الشأن العام ومحاسبته. رابعاً: الصدق والوضوح وتحمل المسؤولية، فلا معنى لخطاب سياسي لا ينسجم مع الممارسة، ولا قيمة للوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ. كما أن الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه ليس ضعفاً سياسياً، بل قد يكون دليلاً على النضج والمسؤولية. خامساً: أخلاقيات الممارسة السياسية، فليس كل ما يسمح به القانون مقبولاً بالضرورة من الناحية الأخلاقية، وليس كل ما يحقق مصلحة حزبية يخدم المصلحة العامة. وهنا يظهر الفرق بين من يعتبر السياسة خدمة عمومية، ومن يختزلها في الوصول إلى المواقع والمناصب والامتيازات. أما العالم الافتراضي، فقد فتح أبواباً واسعة للنقاش والتعبير والمساءلة، لكنه كشف أيضاً عن مفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن أن ندافع عن الديمقراطية، ونحن لا نتقبل الرأي المخالف؟ وكيف نطالب بحرية التعبير، ثم نمارس الإقصاء والتشهير والتخوين ضد من يختلف معنا؟ وكيف ننتقد انحرافات السياسيين، إذا كنا نعيد إنتاج الأساليب نفسها في نقاشاتنا اليومية؟ إن حرية التعبير لا تعني التحرر من المسؤولية، والنقد السياسي لا يعني الإساءة الشخصية، كما أن الدفاع عن حزب أو مسؤول لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير مطلق لكل تصرفاته. فالأحزاب والأشخاص، مهما كانت مواقعهم، يظلون قابلين للنقد والمساءلة. لكن من أين تبدأ السياسة، وأين تنتهي؟
تبدأ حين ننتقل من الاهتمام بمصالحنا الخاصة إلى التفكير في المصلحة العامة، ومن منطق القوة إلى منطق الحجة، ومن التعصب للأشخاص إلى مناقشة الأفكار والبرامج. وتستمر بقدر ما نلتزم بقواعد التنافس الديمقراطي، ونقبل بنتائج الاختيار الشعبي في إطار القانون، ونحتفظ في الوقت نفسه بحقنا في المعارضة والنقد والمطالبة بالإصلاح.أما نهايتها، فلا ينبغي أن تكون عند صناديق الاقتراع، ولا عند تشكيل الحكومات وتوزيع المسؤوليات، بل عند تحقيق الغايات التي وجدت السياسة من أجلها: الكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص، وتحسين التعليم والصحة والشغل والسكن، وصيانة الحقوق والحريات وضمان أن تكون السلطة وسيلة لخدمة المجتمع لا غاية في حد ذاتها. ولعل السؤال الأعمق الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: هل نمارس السياسة؟ بل: أي سياسة نريد، وأي ثقافة سياسية ننتج، وأي مجتمع نساهم في بنائه من خلال مواقفنا وسلوكنا واختياراتنا؟ فالسياسة ليست حكراً على السياسيين، كما أن المسؤولية عن واقعها لا تقع عليهم وحدهم؛ إنها أيضاً مرآة لثقافة المجتمع، ولمدى وعي أفراده بحقوقهم وواجباتهم، وقدرتهم على التمييز بين النقد والتجريح، وبين الاختلاف والعداء، وبين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة. إننا لا نحتاج فقط إلى سياسيين جدد، بل نحتاج أيضاً إلى ثقافة سياسية جديدة، تجعل من الاختلاف مصدر غنى، ومن المحاسبة ضمانة، ومن الأخلاق أساساً للممارسة، ومن المواطن غاية كل اختيار سياسي. فهل أزمتنا اليوم أزمة أشخاص وأحزاب فقط، أم أنها، في جانب منها، أزمة فهم لمفهوم السياسة نفسها، ولمعناها وحدودها وقواعدها؟ ذلك هو السؤال المفتوح للنقاش، بعيداً عن التخوين والتقديس، وقريباً من العقل والموضوعية والمسؤولية.






