سياسة واقتصاد

الاقتصاد السياسي لصناعة القانون والعدالة.. الحزء الأول: قانون المالية تحت اختبار المناخ والمديونية، من ينتج الفائض ومن يتحمل كلفة النمو؟

مصطفى المنوزي (الرئيس المؤسس للمختبر المدني للعدالة الاجتماعية)

مدخل الجزء الأول: من ينتج الثروة، ومن يستفيد منها، ومن يتحمل مخاطرها؟ بهذه الأسئلة نقرأ قانون المالية، بوصفه اختيارًا سياسيًا لتوزيع الموارد وكلفة النمو ! 

يصعب تحليل قانون المالية المغربي خارج التفكير النسقي الكلياني؛ إذ تتوقف دلالة أرقامه على شبكة العلاقات التي تربط المناخ بالإنتاج، والاستثمار بالاقتراض، والتضخم بتوزيع الدخل، والاقتصاد الوطني بمراكز التمويل والتكنولوجيا والأسواق العالمية. لذلك لا يكفي السؤال عن حجم الموارد والنفقات أو معدل النمو المتوقع؛ بل ينبغي مساءلة شروط تحقق هذه التوقعات، وطبيعة الثروة التي تنتجها، وكيفية توزيع فوائضها ومخاطرها بين الدولة والمقاولات والأسر والأجيال المقبلة.

تبدأ هذه المساءلة من اعتماد التوقعات الاقتصادية على الطقس والموسم الفلاحي ؛ فحين يرتبط جزء من النمو بانتظام تهاطل التساقطات، يصبح قانون المالية مبنيًا، جزئيًا، على متغير لا تملك الحكومة التحكم فيه ؛ ولا تقتصر آثار الجفاف على انخفاض المحصول؛ بل تمتد إلى دخل الأسر القروية والتشغيل والطلب الداخلي، وإلى الحاجة إلى الاستيراد والضغط على الموارد المائية والإنفاق العمومي. وقد أبرز صندوق النقد الدولي حساسية التضخم بالمغرب لتقلبات أسعار الغذاء، في سياق تواتر الجفاف ووزن المواد الغذائية الكبير في سلة الاستهلاك. 

غير أن استحضار المناخ لا ينبغي أن يتحول إلى تفسير يعفي الاختيارات العمومية من المساءلة. فالجفاف ظاهرة مناخية، لكن حجم الضرر الذي يخلّفه يتأثر بتدبير الماء، وبنية الإنتاج الزراعي، واختيار المزروعات، وقدرة الفلاحين على التكيف، وفعالية التخزين والتوزيع والحماية الاجتماعية. ومن ثم، فإن السؤال يتجاوز انتظار موسم ممطر إلى تقييم السياسات التي تجعل الاقتصاد والمجتمع أقل هشاشة أمام تعثره.

لهذا، تقتضي مصداقية قانون المالية عرض سيناريوهات واضحة لموسم فلاحي جيد أو متوسط أو ضعيف، وبيان أثر كل منها في الموارد والنفقات والأسعار والتشغيل. فالتوقع فرضية مشروطة، ولا يصبح أساسًا متينًا للقرار إلا إذا اقترن ببدائل قابلة للتفعيل عند تغير شروطه. أما بناء الالتزامات على السيناريو الأكثر تفاؤلًا، فيؤجل مواجهة المخاطر إلى لحظة تصبح فيها كلفة التصحيح أعلى وهوامش الاختيار أضيق.

ويتصل الارتهان للمناخ بالاعتماد على الاقتراض ؛ فعندما تتراجع الموارد أو ترتفع الحاجات، تستطيع الدولة تعبئة التمويل بالدين، بما يسمح باستمرار الخدمات والاستثمار وتوزيع كلفة المشاريع على الزمن. لكن الاقتراض يظل موردًا يقابله التزام مستقبلي، وتُقاس جدواه بقدرة استخداماته على توليد منفعة اقتصادية واجتماعية تبرر أصل الدين وكلفته.

وهنا ينبغي التمييز بين الاقتراض الداخلي والخارجي ، فالأول قد يعبئ المدخرات الوطنية ويوفر تمويلًا بالعملة المحلية، لكنه قد يزاحم تمويل المقاولات والأسر بحسب وضع السيولة وشروط الائتمان ؛ أما الثاني، فقد يوفر العملة الأجنبية ويمول حاجات استثمارية، لكنه يعرّض المالية العمومية، بدرجات متفاوتة، لتقلبات الفائدة والصرف وشروط الأسواق الدولية. لذلك لا يستقيم تقييم الدين بحجمه وحده؛ بل بعملته وآجاله وكلفته، والجهات الدائنة، وطبيعة الإنفاق الذي يموله، والعائد المنتظر منه.

وتبرز هنا مسألة الاستثمار الداخلي والخارجي، باعتباره رافعة أساسية للنمو ومصدرًا محتملًا لإعادة إنتاج التبعية أيضًا. فالاستثمار العمومي قد يحسن البنيات والخدمات ويحفز المبادرة الخاصة، لكن أثره يتوقف على اختيار المشاريع وتكلفتها وجودة تنفيذها وصلتها بحاجات السكان والنسيج المنتج. وقد يرتفع الإنفاق الاستثماري بينما يظل أثره في التشغيل والقيمة المضافة المحلية محدودًا إذا كانت مكوناته المستوردة مرتفعة أو كانت صلاته بالمقاولات الوطنية ضعيفة ؛وبالمثل، يُقيَّم الاستثمار الخاص الداخلي بقدرته على توسيع الإنتاج والابتكار والعمل اللائق، لا بمجرد حجم الأموال الموظفة. كما يُقيَّم الاستثمار الأجنبي بما ينقله من معرفة وتكنولوجيا، وما يخلقه من روابط مع الاقتصاد المحلي، وما يضيفه إلى الموارد الجبائية والقدرة التصديرية، مقابل ما يستفيد منه من تحفيزات وما يترتب عليه من تحويل للأرباح. فلا حجم التدفقات وحده دليل كافٍ على التنمية، ولا مصدرها الخارجي حكم مسبق على منفعتها ، وعند هذه النقطة تتضح علاقة الفوائض بالتضخم. فالفائض الإنتاجي يمكن أن يخفف الضغط على الأسعار إذا وسّع عرض السلع المطلوبة وأتاحها للسوق الداخلية ؛ أما ارتفاع الأرباح فقد ينتج عن زيادة الإنتاج والإنتاجية، وقد ينتج عن ارتفاع الأسعار أو القدرة على تمرير التكاليف إلى المستهلك. ولذلك لا تكفي ملاحظة زيادة الأرباح لإثبات الاحتكار؛ بل يلزم فحص الهوامش والتكاليف والكميات وبنية المنافسة. وتفيد الدراسات الدولية في تحديد هذه الآليات، مع ضرورة اختبارها ببيانات مغربية قبل اعتمادها تفسيرًا للحالة الوطنية. 

وقد يرفع التضخم المداخيل الجبائية الاسمية المرتبطة بقيمة المعاملات، بينما تتآكل القدرة الشرائية للأسر ؛ لكنه يرفع أيضًا بعض تكاليف الدولة، بما فيها المشتريات والاستثمار والدعم. ومن ثم، فإن تحسن الحصيلة الاسمية لا يكفي للحكم على تحسن الوضع المالي الحقيقي؛ كما أن تراجع معدل التضخم لا يعيد تلقائيًا للأسرة ما فقدته من قدرتها الشرائية، لأنه يعني تباطؤ ارتفاع الأسعار، وقد تبقى الأسعار مرتفعة.

وتكشف هذه العلاقات حدود قراءة الاقتصاد الوطني بمعزل عن موقعه في التقسيم الدولي للعمل. فحين تستورد الدولة الطاقة والتكنولوجيا والتجهيزات والتمويل، تتأثر بقرارات وأسعار تتشكل خارج مجال سيادتها المباشرة. غير أن أثر هذه التبعية يمر عبر اختيارات ومصالح داخلية؛ فالمقاولات والأسر والأجراء لا يتحملون الصدمة بالقدر نفسه، وبعض الفاعلين أقدر من غيرهم على حماية دخله أو نقل كلفته إلى الآخرين.

بذلك يصبح قانون المالية آلية لتوزيع المخاطر والفرص، إلى جانب كونه ترخيصًا بالموارد والنفقات. والاختبار الحقيقي لنجاعته هو قدرته على تحويل الاقتراض والاستثمار إلى إنتاجية ومعرفة وتشغيل وحماية اجتماعية، وعلى تقليص هشاشة الاقتصاد أمام المناخ والتمويل الخارجي، وعلى ضمان توزيع منصف لثمار النمو.

إن التفكير النسقي التوقعي يقتضي وصل هذه الحلقات: من التساقطات إلى المحصول، ومن المحصول إلى الأسعار والموارد، ومن العجز إلى الاقتراض، ومن الاقتراض إلى الاستثمار، ومن الاستثمار إلى الفائض وكيفية توزيعه. وعندئذ يصبح السؤال السياسي الحاسم: هل نمول اليوم شروط اقتدار المجتمع غدًا، أم نراكم التزامات مستقبلية لتمويل نمو تتوزع منافعه بصورة غير متكافئة؟

ويطرح تفاوت نسبة النمو المتوقعة بين البرنامج الحكومي وقانون المالية سؤال انسجام المرجعيات والفرضيات: هل يتعلق الأمر باختلاف الأفق الزمني بين طموح حكومي متعدد السنوات وتقدير مالي سنوي، أم بمراجعة توقعات الموسم الفلاحي وكذا الاستثمار والتمويل؟ لا يثبت التفاوت وحده تناقضًا، لكنه يلزم الحكومة بتفسير أسبابه وآثاره؛ فمصداقية الالتزام العمومي تقتضي بيان الصلة بين الوعد السياسي وشروط إنجازه الاقتصادية والمالية. 

ومن هذه العلاقات يمكن استنتاج ملامح ما يصح تسميته إيديولوجيا الاقتراض: حين يتحول الدين من أداة تمويل مشروطة بجدوى استعمالها إلى أفق يحكم تصور التنمية، وتصبح القدرة على استجلاب التمويل قرينةً على النجاح، فيما تتوارى مساءلة توزيع الفائض والبدائل الجبائية والإنتاجية. وقد يقترن هذا الارتهان، بحسب مصادر التمويل وشروطه، باشتراطات صريحة أو بضغوط الأسواق والتصنيف الائتماني، بما يضيّق هامش السيادة المالية وحرية ترتيب الأولويات الوطنية. وقد يمتد أثره إلى صناعة القرار التشريعي، بل وإلى الخيارات الأمنية متى ارتبط التمويل بتبعية استراتيجية أو بالتزامات تمس أغلب هذه المجالات؛ وهي صلات تستوجب الإثبات في كل حالة، ولا تُستنتج من المديونية وحدها. وعندئذ لا يعود السؤال مقتصرًا على كلفة الدين المالية، بل يشمل كلفته السيادية والديمقراطية: من يحدد أولويات الإنفاق والإصلاح، ولمن تخضع مساءلة القرار، ومن يستفيد اليوم ومن يؤدي غدًا؟