فن وإعلام

في مغالطة مصادرة الحق في النقد، حين يستعير الخطاب الأيديولوجي سلطة المؤسسة ليعفي نفسه من سلطة البرهان

محمد الخمسي (أستاذ باحث ومفكر)

يبدو أن بعض الخطابات تعجز عن التمييز بين نقد المقرر الدراسي والطعن في الدين، وبين مساءلة المسؤول عن اختياراته التربوية ومخاصمة الثوابت الوطنية، وبين احترام إمارة المؤمنين وتوظيف رمزيتها في سجال أيديولوجي لا تستقيم حججه إلا باستدعاء ما هو أسمى من موضوعه.

وأنا، بوصفي المعني بهذا الخطاب، أجد لزاماً عليّ أن أضع النقاش في إطاره الصحيح: إطار الحجة والبرهان والمسؤولية، لا إطار توزيع صكوك الوطنية، ولا استدعاء التهم الجاهزة بحق كل من يجرؤ على مساءلة المناهج التعليمية.

أولاً: مغالطة منطقية لا تسترها كثافة الإنشاء

إن الانتقال من نقد مضامين مقرر للتربية الإسلامية إلى اتهام ناقده باستهداف الهوية الدينية والحضارية للمغاربة انتقال غير لازم منطقياً. فالقضية الأولى تتعلق بمحتوى تعليمي بشري قابل للفحص والتقويم، والثانية تتعلق بنية سياسية مفترضة تحتاج إلى أدلة مستقلة.

وبلغة المنطق: لا يلزم من نقد (M)، حيث (M) مقرر دراسي، رفض (R)، حيث (R) المرجعية الدينية؛ كما لا يلزم من المطالبة بمراجعة محتوى تعليمي تبني مشروع للعلمنة أو الاستئصال.

إن الاستدلال بهذه الطريقة لا يثبت التهمة، بل يفترض النتيجة التي يتعين عليه إثباتها. وهذه، في أبسط توصيفاتها، مصادرة على المطلوب، يضاف إليها أحياناً الاحتكام إلى النيات بدل مناقشة الأدلة.

ثانياً: من يدافع عن العقلنة لا يجوز له أن يعادي مقتضياتها

حين يُنسب إلى مقرر رسمي للتربية الإسلامية خلال الموسم الدراسي 2016–2017 وصف الفلسفة بأنها «أسُّ السَّفَه والانحلال» و«مثار الزيغ والزندقة»، فإن من حق الباحث أن يسأل عن سلامة هذا الخطاب تربوياً ومعرفياً، وعن مدى اتساقه مع أهداف المدرسة الحديثة في تنمية التفكير النقدي وتعليم المتعلم التمييز بين الحجة والمغالطة.

ولا يتعلق الأمر هنا بإصدار حكم على الدين، ولا بمصادرة حق المقرر في عرض مواقف تراثية، بل بالتمييز بين تدريس نص تاريخي بوصفه موضوعاً للتحليل، واعتماد خطاب تقريري شامل يحكم على حقل معرفي كامل حكماً سلبياً.

فإذا ثبت ورود هذا النص في المقرر المعتمد، وثبتت صلتكم المؤسسية بالقرارات ذات الصلة، فمن المشروع أن يُطرح سؤال المسؤولية السياسية والتربوية، في حدود الاختصاص الفعلي لكل جهة. ولا يُجاب عن هذا السؤال بتخوين السائل، ولا بتذكيره بمكانة المادة التي يناقشها، بل بتقديم الوثائق والسياق والتفسير العلمي.

ثالثاً: إمارة المؤمنين ليست مقدمة في قياس أيديولوجي

إن إمارة المؤمنين مؤسسة دستورية ذات مكانة دينية ووطنية سامية، واحترامها لا يتوقف على اختلاف المواطنين أو اتفاقهم مع وزير سابق في تقييم مقرر دراسي.

لكن مكانة المؤسسة شيء، وصحة الاستدلال بها على سلامة اختيار تربوي بعينه شيء آخر تماماً. فلا يجوز منطقياً أن تتحول مرجعية الدولة إلى بديل عن البرهان على جودة المقررات، ولا أن يُستنتج من احترام الثوابت وجوب التسليم بكل اجتهاد بشري نُسب إلى تدبير الشأن الديني أو التعليمي.

إن المؤسسة التي تحظى باحترام المغاربة لا تحتاج إلى أن تُستدعى درعاً في مواجهة النقد الأكاديمي؛ كما أن الدفاع عنها لا يستلزم تحويل كل خلاف حول المناهج إلى خلاف حول شرعية الثوابت.

رابعاً: الصفة الأكاديمية ليست موضوعاً للتخويف، بل التزام بالمنهج

بوصفي أستاذاً للرياضيات، أعرف أن صحة النتيجة لا تُستمد من مكانة قائلها، ولا من كثرة المقدمات الإنشائية المحيطة بها، وإنما من سلامة الاستدلال وصحة المقدمات وقابلية النتائج للفحص.

وهذه ليست خصوصية للرياضيات؛ إنها قاعدة منهجية عامة: لا يُدحض الاعتراض بوصف صاحبه، ولا يُثبت الاتهام بتكراره، ولا تتحول الفرضية إلى حقيقة بمجرد إحاطتها بمفردات الهوية والثوابت والمؤامرة.

إذا كان لديكم دليل على أن نقدي للمناهج يستهدف الدين أو الهوية الوطنية، فاعرضوه صراحة، وحددوا موضعه، وأقيموا عليه البرهان. أما إطلاق أوصاف «الاستئصاليين» و«المغرضين» و«المتربصين»، من دون إقامة الدليل على انطباقها عليّ، فلا يرقى إلى مستوى الحجاج العلمي الذي تدعون إليه.

خامساً: السؤال الذي لا يجوز القفز فوقه

ما الذي يمنح مقرراً تعليمياً حصانة من النقد؟ أهو صدوره عن مؤسسة رسمية؟ أم انتماؤه إلى مادة دينية؟ أم أن مسؤولاً سابقاً دافع عنه؟ لا شيء من ذلك يمنحه حصانة معرفية مطلقة.

فالمنهج الدراسي ليس نصاً مقدساً، والقرار الوزاري ليس اجتهاداً معصوماً، والمراجعة العلمية ليست استئصالاً، والاختلاف مع مسؤول سابق ليس خروجاً على الثوابت.

ومن يطالب بتطوير المناهج وفق معايير علمية، عليه أن يقبل تطبيق تلك المعايير على المناهج التي دافع عنها أو ساهم في تدبيرها، لا أن يجعل من الدعوة إلى الخبرة العلمية امتيازاً خطابياً يُستعمل ضد الآخرين ويُعطَّل حين يصبح صاحبه موضع مساءلة.

بين ادعاء الصلاح وممارسة التشويه:

﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

— سورة البقرة، الآية 44.

فحين يصبح النقد العلمي تهمة، ويصبح الاختلاف مؤامرة، وتُستدعى الرموز السامية للتغطية على أسئلة مشروعة، فإن المفارقة لا تعود في ما يقوله الخصم عن الآخرين، بل في المسافة الفاصلة بين ما يدعو إليه وما يقبله حين يُطبَّق عليه.

ولعلّ أبلغ ما يُقال في هذا المقام قول الله تعالى:

﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾.


وأخيراً، إليكم خلاصة موقفي بوضوح لا يحتاج إلى تأويل:


أنا لا أطلب إقصاء التربية الإسلامية، ولا أصادر حق المجتمع في تعليم أبنائه دينهم، ولا أضع نفسي في مواجهة الثوابت الوطنية. أنا أرفض أن يُختزل الدفاع عن الدين في الدفاع عن كل سطر في مقرر دراسي، وأن تتحول مساءلة المحتوى التعليمي إلى محاكمة لنيات من ينتقده.


ولا أقبل أن يُستعاض عن مناقشة أفكاري بتصنيفي أيديولوجياً، أو أن تُستدعى إمارة المؤمنين في سياق يوحي بأن نقدي لمقرر هو مساس بمكانة المؤسسة. فالمؤسسة أسمى من هذا التوظيف، والنقد العلمي أحق بأن يُواجَه بالحجة.


وإذا كان لديكم رد على ما أطرحه، فليكن ردّاً على ما قلت، لا على ما تنسبونه إليّ؛ وليكن بالدليل، لا بالتصنيف؛ وبالوثيقة، لا بالإيحاء؛ وبالحجة، لا باستعارة هيبة المؤسسات لإغلاق باب النقاش.


إنني أضع المسألة أمام الرأي العام في صورتها الحقيقية: لسنا أمام امتحان لمدى إيمان الناقد أو وطنيته، بل أمام امتحان لمدى احترامنا جميعاً لقواعد النقاش العمومي المسؤول.


والذي يملك الحجة لا يحتاج إلى تخويف خصمه، والذي يثق في منهجه لا يخشى تقويمه، والذي يحترم المؤسسات لا يجعل من رمزيتها بديلاً عن البرهان.


فليكن الاحتكام إلى الدليل؛ لأن هيبة الموقع لا تُثبت صحة الفكرة، كما أن علو النبرة لا يعوّض نقص الحجة.

أختم بقوله تعالى، فهي تختزل مفارقة من يرفع شعار الصلاح ثم يتهم الآخرين دون بيّنة:

﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾


وحين تنتهي مساحة البرهان، لا ينبغي أن تبدأ مساحة الاتهام، وحين يُستعاض عن مناقشة الأفكار بتصنيف أصحابها، يصبح السؤال عن الدليل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.


أما استدعاء الرموز الكبرى فلا يحوّل الادعاء إلى حقيقة، ولا يمنح الموقف حصانة من المساءلة.


ولعل أبلغ ما يُختتم به هذا السجال قول الله تعالى:


﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾»