سياسة واقتصاد

من لغة النوايا إلى مؤشرات الإنجاز.. خبير يضع السياسات العمومية تحت مجهر المحاسبة

كفى بريس

 شدد الخبير في السياسات العامة والاتصال الاستراتيجي، محمد آيت بوسلهام، في دعوة صريحة للقطع مع "لغة النوايا" وإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والمؤسسات، على ضرورة تقييم نجاح السياسات العمومية بمدى انعكاسها الفعلي والملموس على المعيش اليومي للمغاربة، وليس استناداً إلى حجم البرامج والالتزامات الحكومية المعلنة.

 واقترح بوسلهام، خلال استضافته في برنامج "نخرجو ليها ديريكت" الذي يبث على "برلمان راديو"، إرساء آليات صارمة للمراقبة بغية ربط المسؤولية بالمحاسبة؛ من بينها تقييم أداء الوزراء بعد المائة يوم الأولى من عملهم، وإحداث مكتب إعلامي تابع لرئاسة الحكومة يتولى تقديم حصيلة أسبوعية شفافة، ويتواصل مع المواطنين بشأن تفعيل البرامج وتفاصيل صرف المال العام.

هذه المقاربة المبنية على "مؤشرات الإنجاز"، أسقطها الخبير على مشروع قانون المالية لسنة 2027، مبرزاً أن التحدي الحقيقي لا يكمن في رصد الاعتمادات المالية الضخمة، كالميزانية المخصصة للأولويات الاجتماعية المقدرة بـ 62 مليار درهم أو الاستثمارات العمومية البالغة 400 مليار درهم، بل في حكامة توجيهها وتأثيرها المباشر في جودة الخدمات وتقليص الفوارق المجالية. وحذر في هذا السياق من حصر رهان التجهيزات الكبرى المرافقة لاستضافة كأس العالم 2030 في الالتزام بآجال الإنجاز فقط، مؤكداً حتمية قياس عائدها الفعلي على الاقتصاد الوطني، وتوفير فرص الشغل، وتحسين ظروف عيش المواطنين في الحواضر والبوادي.

وعلى الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وضع آيت بوسلهام ملفي حماية القدرة الشرائية والتشغيل في صلب الأولويات المستعجلة. ففي ظل التوترات الجيوسياسية التي تلقي بظلالها على أسواق المحروقات وسلاسل الإمداد العالمية، دعا المتحدث إلى تبني خيارات استراتيجية وعملية لتأمين إمدادات الطاقة بشروط تفضيلية، مقترحاً تنويع الشراكات الدولية والانفتاح الدبلوماسي والاقتصادي على أسواق بديلة، مثل روسيا والإمارات، لتخفيف العبء عن تكاليف الإنتاج وجيوب المواطنين. 

وبموازاة ذلك، طالب بإعادة هيكلة منظومة التشغيل عبر تجاوز أسلوب "الوظيفة التقليدية"، وربط التكوين المهني بالحاجيات الفعلية للمقاولات، مشيداً بمبادرة تكوين 100 ألف شاب، مع التشديد على ضرورة توجيه الجهود نحو تشجيع المبادرات الفردية، وإيلاء عناية استثنائية لشباب العالم القروي الذي يعاني ضعف الفرص الاقتصادية.

ولم يغفل الخبير، في تشريحه للوضع العام، دق ناقوس الخطر إزاء ملف "الصحة النفسية" الذي يظل غالباً خارج دائرة الضوء العمومي. وارتباطاً بالأرقام المقلقة للتفكك الأسري والطلاق التي تجاوزت 154 ألف حالة، ألح بوسلهام على ضرورة الارتقاء بالصحة النفسية إلى مصاف الأولويات الوطنية، داعياً إلى تعزيز البنيات الاستشفائية المتخصصة، وتوفير الموارد البشرية، وإدماج الأخصائيين النفسيين داخل المؤسسات التعليمية لرصد الصعوبات التي تواجه التلاميذ. واعتبر أن المقاربة يجب أن تكون وقائية وتوعوية لتجنيب الأجيال الصاعدة التداعيات المدمرة للتحولات المجتمعية.

وخلص المتحدث، في تفاعله مع الإعلامي عبد العزيز الرماني، إلى التأكيد على الدور المحوري الذي يضطلع به الإعلام الجاد في إنجاح مسار الانتقال من ثقافة "الوعود" إلى منطق "النتائج القابلة للقياس". واعتبر أن وظيفة البرامج النقاشية تتجاوز مجرد نقل الأحداث إلى ممارسة الدور الرقابي في رصد الاختلالات، ومساءلة السياسات العمومية، وتوفير فضاء شفاف لنقل هموم المواطنين، بما يضمن استجابة المؤسسات لتحديات التنمية الحقيقية.