سياسة واقتصاد

وهبي يناور… لكن السؤال الذي يخشاه المغاربة لم يتغير !

يوسف الإدريسي الحسني (فاعل حقوقي وباحث في قضايا القانون وحقوق الإنسان والحكامة الجيدة)

وأنا أتابع مداخلة السيد عبد اللطيف وهبي أمام البرلمان، وأحاول فهم ما بين السطور، لفت انتباهي أسلوبه في تحويل مسار النقاش من نقطة إلى أخرى، حتى كدت أقول إن الرجل يجيد المراوغة أكثر مما يجيد تقديم أجوبة مباشرة. لكن المشكلة أن هناك من يتابع الكلام ويفكك الرسائل، ولا يكتفي بما يظهر على السطح.

فالسيد وهبي تحدث عن قرينة البراءة وعن مخاطر اتهام الأبرياء، وهي أمور لا يناقش فيها أحد، لأن لا أحد يريد ظلماً لمواطن، ولا أحد يقبل أن يتحول القانون إلى وسيلة لتصفية الحسابات. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل كان هذا هو جوهر القضية التي ينتظر المغاربة جواباً واضحاً عنها؟

نحن نتحدث عن قانون الإثراء غير المشروع، وعن مسؤولين يتولون تدبير الشأن العام، وعن ضرورة التحقق من مصادر الثروات التي قد تظهر زيادة فيها لا تتناسب مع الموارد المشروعة لأصحابها. فما علاقة ذلك بتصوير الأمر وكأن المواطن البسيط مهدد بسبب منزله أو سيارته أو ما جمعه من عرق جبينه؟ أليس من الأجدر وضع النقاش في إطاره الحقيقي، بدل توسيعه إلى مخاوف عامة قد تصرف الأنظار عن أصل الموضوع؟

يا سيد وهبي، المغاربة يفهمون جيداً أن الإنسان بريء حتى تثبت إدانته، ولا يحتاجون إلى من يلقنهم هذه القاعدة، لكنهم يفهمون أيضاً أن حماية الأبرياء لا تعني ترك الأسئلة المشروعة معلقة، ولا تعني أن يبقى ملف الثروات غير المبررة حبيس الوعود والنقاشات السياسية. فإذا كانت هناك إشكالات دستورية أو قانونية، فلتُعرض بوضوح، وليُقدَّم نص يحدد بدقة الفئات التي يشملها القانون، وشروط قيام الجريمة، وكيفية إثباتها، والضمانات التي تحمي الحقوق والحريات، لأن هذا هو جوهر العمل التشريعي، لا الاكتفاء باستحضار مخاوف لا يختلف حولها أحد.

ثم إن هناك سؤالاً آخر لا يمكن تجاهله؛ فمشروع القانون الجنائي رقم 10.16، الذي تضمن مقتضيات تتعلق بالإثراء غير المشروع، سُحب من البرلمان سنة 2021، واليوم يعود الملف إلى الواجهة من جديد. فما الذي تغير منذ ذلك الوقت؟ وما الذي يمنع هذه المرة من الانتقال من التصريحات إلى نص قانوني واضح وفعّال؟ وهل سيحمل المشروع المرتقب مقتضيات حقيقية للمساءلة، أم سنجد أنفسنا أمام نقاش جديد ينتهي بوعود أخرى؟

أنا لا أتهم السيد الوزير في نواياه، ولا أطالب بإدانة أي مسؤول لمجرد الشبهة، لكن من حقي، ومن حق كل مواطن، أن يتساءل عن سبب هذا الالتباس كلما وصل النقاش إلى محاسبة من يتولون تدبير المال العام. فالمغاربة لا يطلبون محاكمة المسؤولين قبل الأوان، بل يطلبون ألا تتحول المسؤولية العمومية إلى حصانة، وألا تصبح الضمانات القانونية، التي وُجدت أصلاً لحماية العدالة، سبباً في تعطيل المساءلة أو تأجيلها إلى أجل غير معلوم.

السيد وهبي، لا تجعلوا قرينة البراءة جواباً عن سؤال مختلف، فحماية البريء واجب، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته واجب أيضاً، ولا تناقض بين الأمرين متى توفرت الإرادة التشريعية وصيغت النصوص بدقة ووضوح. والمطلوب ليس قانوناً ينتقم من المسؤولين، ولا قانوناً يضع المواطنين جميعاً موضع الشبهة، وإنما قانون يضمن الحقوق، ويحمي المال العام، ويتيح التحقق من مصادر الثروات وفق ضوابط موضوعية ورقابة قضائية وضمانات فعلية للدفاع.

وفي النهاية، لا يهمنا من ربح جولة في النقاش البرلماني، ولا من كان أكثر براعة في عرض حججه، بقدر ما يهمنا أن نرى قانوناً يخرج إلى الوجود ويُطبق على أرض الواقع. فالمغاربة لم يعودوا ينتظرون مزيداً من الشرح بقدر ما ينتظرون جواباً واضحاً: متى تصبح المحاسبة قانوناً مطبقاً، لا وعداً يتجدد كلما عاد الملف إلى الواجهة؟