مجتمع وحوداث

لابد من اعتماد إصلاحات شاملة وعاجلة في ملف إصلاح أنظمة التقاعد

عبد الجليل أبوالمجد (كاتب وباحث في الشأن النقابي)
إصلاح‭ ‬أنظمة‭ ‬التقاعد‭ ‬المزمع‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬يشمل‭ ‬أربعة‭ ‬صناديق‭ ‬رئيسية‭ ‬وهي:‭ ‬الصندوق‭ ‬المغربي‭ ‬للتقاعد‭ ‬(CMR)‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬الموظفين‭ ‬العموميين،‭ ‬والذي‭ ‬سبق‭ ‬إصلاحه‭ ‬سنة‭ ‬2017‭ ‬والصندوق‭ ‬الوطني‭ ‬للضمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الخاص‭ ‬بأجراء‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬والصندوق‭ ‬المهني‭ ‬المغربي‭ ‬للتقاعد‭ ‬(CIMR)‭ ‬كنظام‭ ‬تكميلي‭ ‬خاص،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬النظام‭ ‬الجماعي‭ ‬لمنح‭ ‬التقاعد‭ ‬(RCAR) المخصص‭ ‬لموظفين‭ ‬والمستخدمين‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬العمومية‭ ‬وبعض‭ ‬الموظفين‭ ‬في‭ ‬الجماعات‭ ‬الترابية‭ ‬والإدارات‭ ‬العمومية‭.‬

ومن‭ ‬المعروف‭ ‬أن‭ ‬نظام‭ ‬التقاعد‭ ‬المغربي‭ ‬يعتمد،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأنظمة‭ ‬التقليدية،‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬التضامن‭ ‬بين‭ ‬الأجيال،‭ ‬حيث‭ ‬يؤدي‭ ‬النشيطون‭ ‬اليوم‭ ‬معاشات‭ ‬المتقاعدين‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬تتكفل‭ ‬الأجيال‭ ‬اللاحقة‭ ‬بمعاشاتهم‭ ‬مستقبلا،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬استدامة‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬تظل‭ ‬مرتبطة‭ ‬بتوازن‭ ‬أربعة‭ ‬متغيرات‭ ‬أساسية:‭ ‬النسبة‭ ‬الديموغرافية‭ ‬بين‭ ‬المساهمين‭ ‬والمتقاعدين،‭ ‬ومعدلات‭ ‬المساهمة،‭ ‬ومستويات‭ ‬المعاشات،‭ ‬ومدة‭ ‬المساهمة‭ ‬وصرف‭ ‬المعاشات‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬مهددا‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭. ‬ففي‭ ‬الصندوق‭ ‬المغربي‭ ‬للتقاعد،‭ ‬تراجعت‭ ‬النسبة‭ ‬الديمغرافية‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬مساهمين‭ ‬لكل‭ ‬متقاعد‭ ‬سنة‭ ‬2000‭ ‬إلى‭ ‬2,1‭ ‬فقط‭ ‬سنة‭ ‬2024،‭ ‬مع‭ ‬توقعات‭ ‬بانخفاضها‭ ‬إلى‭ ‬1,7‭ ‬سنة‭ ‬2030‭. ‬أما‭ ‬النظام‭ ‬الجماعي‭ ‬لمنح‭ ‬رواتب‭ ‬التقاعد‭ ‬فقد‭ ‬بلغ‭ ‬مستوى‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬عند‭ ‬1,3‭ ‬مساهم‭ ‬لكل‭ ‬متقاعد،‭ ‬مع‭ ‬توقعات‭ ‬بالنزول‭ ‬إلى‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬سنة‭ ‬2040‭.‬

ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تُستنفد‭ ‬هذه‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬بالكامل‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2028‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تُتخذ‭ ‬إجراءات‭ ‬عاجلة‭. ‬هذا‭ ‬العجز‭ ‬الكبير‭ ‬يعكس‭ ‬تدهورا‭ ‬خطيرا‭ ‬في‭ ‬الوضع‭ ‬المالي‭ ‬للصندوق،‭ ‬ناتجًا‭ ‬عن‭ ‬زيادة‭ ‬عدد‭ ‬المتقاعدين‭ ‬مقارنة‭ ‬بعدد‭ ‬المساهمين،‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬المعاشات،‭ ‬وضعف‭ ‬المساهمات‭ ‬بسبب‭ ‬البطالة‭ ‬والعمل‭ ‬غير‭ ‬الرسمي‭.‬

ولقد‭ ‬سبق‭ ‬للمجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للحسابات‭ ‬أن‭ ‬نبه‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬إلى‭ ‬الهشاشة‭ ‬المالية‭ ‬لبعض‭ ‬النظم،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬نظام‭ ‬المعاشات‭ ‬المدنية،‭ ‬وإلى‭ ‬ضرورة‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الجزئية‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬أكثر‭ ‬شمولاً‭ ‬لبنية‭ ‬النظام‭ ‬وحكامته‭ ‬واستدامته‭.‬

بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬الإصلاحات‭ ‬التي‭ ‬شملت‭ ‬أنظمة‭ ‬التقاعد‭ ‬سنتي‭ ‬2016‭ ‬و2021 لم‭ ‬تفلح‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬للاختلالات‭ ‬بل‭ ‬أجّلت‭ ‬فقط‭ ‬أفق‭ ‬استدامة‭ ‬نظام‭ ‬المعاشات‭ ‬المدنية‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬2028‭.‬

إصلاح‭ ‬التقاعد‭ ‬ضرورة‭. ‬لكن‭ ‬الضرورة‭ ‬لا‭ ‬تعفي‭ ‬من‭ ‬العدالة‭. ‬وعليه‭ ‬يجب‭ ‬اعتماد‭ ‬إصلاحات‭ ‬شاملة‭ ‬وعاجلة‭. ‬أولاً،‭ ‬يتعين‭ ‬تعزيز‭ ‬الحكامة‭ ‬والشفافية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فرض‭ ‬رقابة‭ ‬صارمة‭ ‬على‭ ‬التدبير‭ ‬المالي‭. ‬ثانيًا،‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬الوفاء‭ ‬بمساهماتها‭ ‬المتأخرة‭ ‬منذ‭ ‬التسعينيات،‭ ‬والتي‭ ‬تعد‭ ‬أحد‭ ‬الأسباب‭ ‬الرئيسية‭ ‬للأزمة‭. ‬ثالثًا،‭ ‬يجب‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬المنخرطين‭ ‬لتشمل‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬غير‭ ‬الرسمي‭ ‬والمهن‭ ‬الحرة،‭ ‬مع‭ ‬تقديم‭ ‬حوافز‭ ‬لتشجيع‭ ‬الانضمام‭. ‬أخيرا،‭ ‬يجب‭ ‬رفع‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬للمعاشات‭ ‬لضمان‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭ ‬لجميع‭ ‬المتقاعدين‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬جوهر‭ ‬المشكل‭ ‬يكمن‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬كون‭ ‬الحكومة،‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬ولايتها،‭ ‬تقف‭ ‬أمام‭ ‬خيارين‭ ‬لا‭ ‬ثالث‭ ‬لهما:‭ ‬إما‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بإصلاحات‭ ‬محدودة‭ ‬هذه‭ ‬السنة،‭ ‬كتعديل‭ ‬سن‭ ‬التقاعد‭ ‬أو‭ ‬نسبة‭ ‬المساهمات،‭ ‬أو‭ ‬المضي‭ ‬قدما‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬إصلاحات‭ ‬بنيوية‭ ‬مؤلمة‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬تجلبه‭ ‬من‭ ‬غضب‭ ‬اجتماعي‭ ‬وسياسي‭ ‬مباشر‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬ستكشفه‭ ‬الأيام‭ ‬القادمة‭.‬