ما وقع يوم الجمعة الماضي يُعد تجسيداً حقيقياً للعدالة الإلهية ونصرة المظلوم، مهما طال الزمن. والأكثر من ذلك أنه حدث بالطريقة نفسها التي انقلبت بها الجزائر، وحليفتها إسبانيا، على المغرب عام 1966، حينما طالب المغرب، انطلاقاً من إيمانه المفرط بقدرة الأمم المتحدة على إنصافه وحسن نيته المبالغ فيه تجاه إسبانيا، الجمعية العامة، خلال اجتماع للجنة الخاصة لتصفية الاستعمار عُقد يوم 6 يونيو بأديس أبابا، بالضغط على إسبانيا من أجل تمكين سكان الصحراء، الذين لم يكن يتجاوز عددهم آنذاك 27 ألف نسمة، من تقرير المصير والاستقلال.
جاء طلب المغرب بعد ستة أشهر من اعتماد الجمعية العامة القرار 2072 بتاريخ 16 ديسمبر 1965. وكان ذلك القرار، وهو الأول من نوعه على الإطلاق الذي اعتمدته الجمعية بشأن النزاع، قد طالب إسبانيا بالدخول في مفاوضات مع كل من المغرب وموريتانيا من أجل التوصل إلى حل للخلاف المتعلق بالسيادة على الصحراء وسيدي إفني. وحتى ذلك الحين، ومنذ أن بدأ المغرب بالضغط على إسبانيا خلال اجتماعات الجمعية العامة بين عامي 1957 و1965، لم تأخذ الجزائر، منذ استقلالها عام 1962، الكلمة إطلاقاً في أي من تلك الاجتماعات. والأكثر من ذلك أن الجزائر كانت قد صوتت لصالح القرار 2072، بما في ذلك الفقرة التي طالبت إسبانيا بالدخول في مفاوضات مع المغرب وموريتانيا بشأن السيادة على الصحراء وسيدي إفني، في حين صوتت إسبانيا ضد القرار عموماً وضد تلك الفقرة تحديداً.
غير أنه، وللأسف، كانت لقرار المغرب، في يونيو 1966 بأديس أبابا، مطالبة اللجنة الرابعة بتمكين سكان الصحراء من تقرير المصير والاستقلال آثار كارثية على الموقف المغربي. ففي الوقت الذي ظن فيه المغرب أن تلك الخطوة ستدفع الجمعية العامة إلى الضغط على إسبانيا لحملها على تمكين سكان الإقليم من تقرير مصيرهم في أسرع وقت، وبالتالي العودة إلى حضن الوطن الأم، استغلت كل من إسبانيا والجزائر تلك الخطوة لتحويل النقاشات بشأن الصحراء نحو تبني مقاربة تقرير المصير، واعتبار سكان الصحراء بمثابة "شعب" قائم بذاته يتطلع إلى الاستقلال. ومنذ إقدام المغرب على تلك الخطوة، بدأت الجزائر تشارك في جميع المناقشات المتعلقة بالنزاع، بل حصلت على صفة الطرف "المهتم".
وكما أظهرت في كتاب الجديد عن الصحراء باللغة العربية "التحالف الشاذ"، كان اجتماع أديس أبابا نقطة انطلاق متاعب المغرب وبداية تشكل مؤامرة جزائرية إسبانية، بمشاركة موريتانية، لعزل المغرب إقليمياً وإضعاف موقفه، بما يعزز انطباع المجتمع الدولي بأن المغرب لم يعد معنياً بحل القضية، وأن الملف أصبح بيد الجمعية العامة التي أصبح عليها اتخاذ التدابير الضرورية لتمكين الشعب المصطنع من تقرير المصير. وبالتالي، دفع المغرب، على مدى ستين عاماً، ثمن خطوة غير محسوبة العواقب، كان يعتقد أنها ستعجل باسترجاع سيادته على الصحراء. وقدم بذلك هدية من ذهب للجزائر وإسبانيا، اللتين عملتا على بناء سردية تهدف إلى الطعن في مشروعية المطالب المغربية وخلق أسطورة وجود "شعب صحراوي" تواق إلى الحرية.
ولأن العدالة الإلهية موجودة ولا جدال فيها، ولأن الحق يظهر مهما طال الزمن، فقد جاء الوقت الذي يُرد فيه للمغرب اعتباره، ويتمكن فيه من تذوق الطبق نفسه الذي تذوقت منه الجزائر قبل ستين عاماً، أي الاستفادة من خطئها الناتج عن سوء نيتها للاقتراب من طي النزاع بشكل نهائي.
لقد ظلت الجزائر، طوال سنوات، متشبثة باستمرار ولاية المينورسو، واعتبرتها دليلاً على أن النزاع لا يزال قائماً، وأن وجود البعثة الأممية يؤكد، بحسب زعمها، أن "المجتمع الدولي لا يعترف بمغربية الصحراء".
وانطلاقاً من هذه القناعة، ومن سوء نيتها وحرصها على إطالة أمد النزاع، لا شك أنها قدمت كل التنازلات لروسيا من أجل دفعها إلى استعمال حق الفيتو للحيلولة دون تمرير مشروع القرار الأمريكي، الذي كان سيزيل أي غموض بشأن اعتبار خطة الحكم الذاتي المغربية الأساس الوحيد للمفاوضات ونقطة نهايتها. كما كان سيضع الجزائر في موقف حرج أمام العالم، بالنظر إلى تضمن مشروع القرار فقرة تطالب بإحصاء سكان المخيمات خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر.
وقد كان للجزائر ما أرادت، إذ حال الفيتو الروسي دون تمرير ذلك القرار. غير أن ما لم تفطن إليه الجزائر هو أن الفيتو الروسي كان بمثابة حكم بالإعدام على ولاية البعثة الأممية نفسها التي ظلت تعتبر استمرار وجودها دليلاً على بقاء النزاع داخل أروقة الأمم المتحدة. وبالتالي، فإن الجزائر، من خلال هذه الخطوة، قدمت للمغرب هدية من ذهب، ومكنته من أخذ الثأر، ولو بعد ستين عاماً، من البلد نفسه الذي استغل إفراطه في الثقة بقدرة الجمعية العامة على إنصافه ومساعدته على طي النزاع بشكل نهائي.
ويكمن الفرق الجوهري بين ما حصل في أديس أبابا في يونيو 1966 وما وقع يوم 30 أكتوبر 2026 في أن الجزائر استفادت آنذاك من حسن نية المغرب لتوجيه النزاع بما يتماشى مع نواياها التوسعية، بينما استفاد المغرب اليوم من سوء نية الجزائر، التي قدمت له، من حيث لا تدري، هدية من ذهب للمضي قدماً، وبشكل لا رجعة فيه، نحو طي هذا النزاع وفق شروطه.






