سياسة واقتصاد

ما أعلنته الحكومة بخصوص المتقاعدين ليس إنجازا تاريخيا

عبد العزيز رجاء (الرئيس المؤسس لهيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب)

"لقد قدم فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية، يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام البرلمان، معلناً عن إجراءات تخص المتقاعدين، أبرزها رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 1700 درهم شهرياً ابتداءً من فاتح يناير 2027 (على أن يبلغ 3000 درهم في نهاية الولاية الحكومية)، ورفع معاش الأرملة إلى 100 في المائة، بتكلفة إجمالية تقارب 10 مليارات درهم.


وبينما تُعتبر هذه الخطوات عناوين براقة لـ "الدولة الاجتماعية"، فإن التمحيص في تفاصيلها يكشف عن بون شاسع بين الخطب السياسية والواقع المعيشي، ليتجلى العجز والفشل بأبشع صوره عند الحديث عن المنسيين الكبار: أصحاب المعاشات التي تفوق 3000 درهم، والمجمدة منذ أكثر من 27 سنة!


أولاً: 1700 درهم اليوم و3000 درهم غداً.. أين الجداول والضمانات؟

وعود مفتوحة بلا جدول زمني: الرقم الأول مرتبط بيناير 2027، أما هدف 3000 درهم فلا يملك سوى تاريخ "نهاية الولاية الحكومية". لا مراحل معلنة، ولا قيمة لكل زيادة، ولا ضمانات، بل مجرد نوايا تركت مفتوحة وقابلة للتأجيل والتسويف أو النسيان. ومن يضمن عدم إسقاط هده الحكومة في ضل شراسة معارضة قوية.

سؤال الكفاف: حتى إن تحققت الـ 1700 درهم، فهل تكفي متقاعداً يعيل أسرة بلا دخل آخر على مجابهة غلاء الأسعار، وثمن الدواء، والسكن، والماء، والكهرباء؟ المعاش ليس هبة ولا إحساناً، بل هو ثمرة عقود من الاقتطاعات والعمل.


ثانياً: معاش الأرملة وأرقام ضبابية لا تطمئن

رفع معاش الأرملة إلى 100 في المائة خطوة إيجابية لأن وفاة الزوج لا توقف مصاريف الحياة. غير أن الإعلان جاء محفوفاً بالغموض، فلا تواريخ دقيقة للبدء، ولا آليات واضحة لاحتساب النصيب في حال وجود أبناء أو ذوي حقوق آخرين. والأدهى هو التناقض الرقمي بين 150 ألف أرملة في الإجراء الأول و431 ألفاً في الثاني، دون توضيح عدد المشمولات معاً، مما يجعل الخطاب عاجزاً عن تفسير أرقامه.


ثالثاً: متقاعدو 1320 يوماً.. بيع الأمل بلا وثائق.


ويتساءل المتقاعدون المستفيدون من إجراء 1320 يوم (من أُحيلوا على التقاعد بين 1 يناير 2023 ودخول القانون 02.24 حيز التنفيذ) عما إذا كان هذا الرفع يشملهم وهم يتقاضون أقل من 1000 درهم. والواقع الصادم أنه لا شيء يثبت تلقائية ارتفاع معاشاتهم إلى 3000 درهم، فالحكومة تبيع أملاً فارغاً بلا سند قانوني أو فئات محددة بوضوح.


رابعاً: مصير أصحاب المعاشات التي تفوق 3000 درهم.. " التجميد المستمرمنذ أكثر من 27 سنة"


وإذا كانت المعاشات الهزيلة تعاني من سياسة الفتات والوعود المؤجلة، فإن الطامة الكبرى والنكتة السوداء في السياسات الاجتماعية تتمثل في مصير أصحاب المعاشات التي تفوق 3000 درهم، وتحديداً تلك المجمدة لأكثر من ربع قرن ( تقريبا لأكثر من 27 سنة)!. تجميد يعادل الاغتيال المادي: أي منطق أعرج هذا الذي يترك متقاعدين أفنوا زهرة شبابهم في خدمة الإدارة أو القطاع الخاص بمعاشات جامدة لا تنحني لجنون التضخم، ولا تلامس لهيب الأسعار الذي ضاعف تكلفة المعيشة أضعافاً مضاعفة؟ أكثر من 27 سنة من التجميد القسري تعني بوضوح تام أن هذه المعاشات قد تم إعدام قيمتها الشرائية تدريجياً، وتحويل أصحابها إلى فئة منسيّة تُعاقب جزاءً وفاقاً على اجتهادها الوظيفي السابق.


إقصاء مقيت تحت ذريعة السقف: الحكومة تتبجح برفع الحد الأدنى، بينما تصم آذانها وتعمي أبصارها عن الطبقة الوسطى من المتقاعدين الذين تجرؤوا فتجاوزوا سقف 3000 درهم قبل عقود، ليجدوا أنفسهم محاصرين في سجن "الجمود التاريخي لمعاشاتهم "، حيث لا زيادات، لا التفاتة، ولا حتى أفق لاعتبار أن غلاء المعيشة يكتوي به الجميع دون استثناء.


تكريس الحيف الاجتماعي: إن ترك المعاشات التي تفوق 3000 درهم رهينة التجميد لما يقارب ثلاث عقود ليس مجرد نسيان أو خطأ تقني، بل هو إجهاز ممنهج على المكتسبات وحرقة مقصودة في وجوه شريحة واسعة بنت هذا الوطن، لتتحول سنوات التقاعد من راحة مستحقة إلى جحيم من الحرمان والقهر المعيشي في ظل حكومة تتغنى ب شعار "الدولة الاجتماعية" وهي تكرس أعمق الفوارق والتفاوتات.


خامساً: حكومة الملايير العمياء وغياب الإحصائيات


تتحدث الحكومة عن ميزانية ضخمة تقارب 10 مليارات درهم، بينما تفتقر لأحدث الإحصائيات الموحدة والدقيقة لتوزيع المعاشات عبر الصناديق الثلاثة. كيف يُقدر مبلغ بهذا الحجم ويُبنى عليه تدبير استراتيجي في ظل غياب أرقام واضحة لكل شريحة؟ إن حجب البيانات يعطل محاسبة المسؤولين ويحول الوعود إلى أرقام صمّاء.


ما أعلنته الحكومة ليس إنجازاً تاريخياً، بل هو بداية خجولة محفوفة بالثغرات والضباب. والمتقاعد لا يعيش على الخطب الرنانة ولا يشتري الدواء بالوعود الوهمية. وإلى أن تصدر نصوص واضحة تفصل الفئات والمواعيد، وتفرج فوراً عن مهزلة المعاشات المجمدة لأكثر من 27 سنة، سيظل كل ما يُرفع في البرلمان مجرد حبر على ورق، والدولة الاجتماعية ستبقى حبراً على جيب المتقاعد المقهور".