تحليل

لحظة اتخاذ القرار

سفيان خليهنا

لنكن واضحين من البداية، حتى لا نضيع الوقت في المجاملات التي قتلت الكثير من القيم في هذا البلد


من السهل جدا أن تكون بطلا بعد أن تنتهي المعركة. الأسهل منه أن تكون بطلا على الفايسبوك، وأنت تحتسي قهوتك، وتحمل هاتفك، وتوزع الشتائم يمينا ويسارا.


الصعب، الصعب جدا، أن تكون بطلا والمعركة مشتعلة، والرصاص يتطاير من كل جهة، وأنت لا تعرف من أين ستأتيك الضربة القادمة.


هذا هو جوهر السياسة. وهذا هو ما لا يريد كثيرون أن يفهموه، لأن الفهم يقتضي شيئا من التواضع، والتواضع عملة نادرة في سوق المزايدات المغربية.


هناك في التاريخ دائما شخصان


شخص يطلب منه أن يقرر الآن. الآن، وليس غدا. الآن، وهو لا يعرف كل شيء، ولا يملك كل الوقت، ولا يضمن أي نتيجة. شخص يقف وحيدا أمام ورقة بيضاء، وأمامه شعب كامل ينتظر، وخصوم يتربصون، وحلفاء يترددون، وتاريخ سيسجل عليه كل حرف.


وشخص آخر، يأتي من بعد. يأتي بعد أن انقشع الغبار، وبعد أن ظهرت النتائج، وبعد أن صارت الحقائق واضحة حتى لطفل صغير في الشارع. فيجلس على كرسيه الوثير، ويبدأ في توزيع الأحكام: كان عليه أن يفعل كذا، وكان عليه ألا يفعل كذا، لو كنت مكانه لفعلت كذا...


الأول يصنع الحدث، والثاني يعلق عليه.

الأول يدفع الثمن من لحمه ودمه ومستقبله، والثاني يكتفي بوصف الثمن.

الأول يتحمل وزر القرار، والثاني يتحرر من كل وزر، لأنه لم يقرر شيئا في حياته أصلا.


والمصيبة أننا في المغرب، نحاكم الأول بمنطق الثاني. نحاكم من قرر في الظلام بمعايير من رأى في النور. نحاكم من كان عليه أن يختار في ثوانٍ، بمنطق من كان أمامه شهور ليفكر، ويفكر، ثم يفكر، ثم لا يقرر شيئا.


وهذا، اسمحوا لي أن أقولها بصراحة  خالصة: ظلم معرفي وأخلاقي. ظلم يمارسه كثيرون دون أن يشعروا، أو يشعرون ويستمتعون به.


لأن لحظة اتخاذ القرار ليست لحظة إدارية باردة كما يتوهم التكنوقراط. إنها لحظة إنسانية في جوهرها. لحظة خوف، لحظة شك، لحظة نقص في المعلومة، وضيق في الوقت، وتعدد في المصالح المتعارضة، وغموض في المآلات. ومع ذلك، يُطلب من صاحب القرار أن يقرر، وأن يتحمل وحده تبعات قراره.


ديغول قالها ذات يوم، وهو يعرف ما يقول: "إن اتخاذ القرار هو أصعب ما في القيادة، لأن القائد لا يقرر وهو يعلم، بل يقرر وهو يجهل، ويتحمل وزر جهله."


أما التحليل البعدي، فما أسهله! وما أرخصه!


المحلل البعدي لا يتحمل شيئا، ولا يخاطر بشيء، ولا يلتزم بأي نتيجة. ينظر إلى الماضي بعين الحاضر، ويحاكم القرار بمعايير لم تكن متوفرة لحظة صدوره. يتوهم أنه كان سيفعل أفضل، لأنه الآن يعرف النتيجة. وهذا وهم. وهم خطير.


تشرشل، الذي عرف الحرب من داخلها، قال: "النقد سهل، من السهل أن تكون حكيما بعد وقوع الحدث، ولكن الحكمة الحقيقية هي أن تكون حكيما قبل وقوعه."


الفارق الجوهري، سيداتي سادتي، يكمن في المسؤولية.


في لحظة القرار، المسؤولية شخصية، مباشرة، تاريخية. صاحب القرار يضع اسمه، وموقعه، ومستقبله السياسي، وأحيانا مصير وطنه، في كفة قرار واحد.


أما في التحليل البعدي، فالمسؤولية غائبة. المحلل لا يضع شيئا سوى كلماته، ولا يخسر شيئا سوى بعضا من وقته، وربما بعضا من "اللايكات".


لينكولن قالها بمرارة من عاش الحرب الأهلية: "من السهل أن تحكم على قائد وأنت جالس في مكان آمن، بعيدا عن ضجيج المعركة. ولكن القيادة لا تُعرف إلا في قلب المعركة."


ثم إن السياسي الحقيقي، وهنا بيت القصيد، لا يختار في الغالب بين الخير والشر، كما في أفلام هوليود. إنه يختار بين الضرر الأقل والضرر الأكبر، بين المصلحة القريبة والمصلحة البعيدة، بين إرضاء فئة وإغضاب فئة أخرى. يختار وهو يعلم أن اختياره سيُرضي البعض ويُغضب البعض الآخر، وأنه مهما فعل، سيجد من يلومه.


مكيافيلي، الذي ظلمه الجميع ، قال: "الحاكم لا يُسأل عن نواياه، بل عن نتائج أفعاله، ولكن النتائج لا تُعرف إلا بعد أن يمضي الزمن، أما القرار فيجب أن يُتخذ الآن."


أما المحلل البعدي، فيتوهم أنه يختار بين بدائل كاملة ومثالية، لأنه ينظر إلى الماضي وقد صارت نتائجه واضحة. فيظن أن القرار الصائب كان بديهيا، وأن الخطأ كان ممكنا تجنبه بسهولة. وهذا هو الوهم المعرفي الذي يصنع "الأبطال" على الورق، والجبناء في الميدان.


ميتران لخصها في جملة واحدة: "التاريخ يحاكم الرجال بعد أن يموتوا، ولكن السياسة تحاكمهم وهم أحياء، وهم لا يملكون ترف الانتظار."


فهل معنى هذا أن نعطل النقد؟ هل معنى هذا أن نبرر كل قرار؟ لا، وألف لا.


النقد ضروري، والمساءلة واجبة، والتحليل البعدي له وظيفة علمية وتاريخية لا يمكن إنكارها. ولكن... ولكن يجب أن يكون نقدا منصفا. نقدا يأخذ بعين الاعتبار ظروف اللحظة، ونقص المعلومة، وضيق الزمن، وحجم الضغط، لا نقدا يتعامل مع صاحب القرار وكأنه كان يملك علم الغيب، وكأنه كان يملك التاريخ في جيبه.


الفهم العميق للسياسة يقتضي أن نميز بين من يقرر، ومن يعلق. فالأول يمارس الشجاعة، والثاني يمارس البلاغة. والأول يدفع الثمن، والثاني يكتفي بوصف الثمن. والأول يصنع التاريخ، والثاني يرويه، وأحيانا يزوره.


مانديلا قال: "الشجاعة ليست غياب الخوف، بل هي القدرة على اتخاذ القرار رغم الخوف."


وخلاصة القول، يا من تقرؤون هذا المقال وأنتم تتأهبون للتعليق عليه:


لحظة اتخاذ القرار هي لحظة القيادة الحقيقية، وهي لحظة تُختبر فيها إنسانية القائد، وشجاعته، وقدرته على تحمل المسؤولية في ظل الغموض. أما التحليل البعدي، فهو لحظة الفهم المتأخر، وهي مفيدة للتعلم، ولكنها لا يمكن أن تكون معيارا عادلا للحكم على من كان عليه أن يقرر في حينه.


العدل يقتضي أن نحاكم القرار بظروف لحظته، لا بظروف تحليله. وأن نحترم من تجرأ على القرار، حتى وإن اختلفنا معه، لأن التردد والهرب من القرار أخطر على الأوطان من الخطأ في القرار نفسه.


والذي يهرب من القرار، لا يصنع وطنا. والذي يقرر، حتى وإن أخطأ، يصنع على الأقل تاريخا يمكن أن نتعلم منه.


أما الذي لا يقرر ولا يخطئ ولا يتحمل شيئا، فهو لا يصنع شيئا سوى الضجيج.