سياسة واقتصاد

المغرب يعيد ترتيب صادراته نحو إفريقيا.. تداعيات القرار تمتد إلى الأسواق المجاورة والكركرات في واجهة النقاش

إبراهيم الخياطي (باحث في الثقافة البصرية والوساطة الرقمية)

عاد معبر الكركرات إلى واجهة النقاش الإقليمي، بالتزامن مع الإجراءات التي اتخذتها السلطات المغربية لتنظيم تصدير عدد من المنتجات الفلاحية نحو الأسواق الإفريقية، في خطوة أعادت تسليط الضوء على أهمية هذا الممر التجاري في حركة المبادلات بين المغرب وموريتانيا وبلدان غرب إفريقيا.

وجاءت هذه التطورات في سياق ارتفاع أسعار بعض المواد الفلاحية داخل السوق المغربية، وما رافقه من ضغط على تموين الأسواق المحلية، الأمر الذي دفع السلطات إلى إعطاء الأولوية لتوفير المنتجات للمستهلك المغربي، من خلال تعليق مؤقت لصادرات بعض الأصناف الفلاحية والغذائية.

وبينما أثار القرار تساؤلات لدى عدد من الفاعلين التجاريين في الأسواق الإفريقية، انتشرت أخبار تتحدث عن توقف حركة الشاحنات بمعبر الكركرات، غير أن المعطيات التي نقلتها مصادر محلية نفت حدوث إغلاق شامل للمعبر، مؤكدة استمرار عبور المسافرين والشاحنات التي لا تحمل منتجات مشمولة بإجراءات التقييد.

وتشير المعلومات المنشورة إلى أن التدابير همّت بالأساس الشاحنات المحملة بالمنتجات المعنية بالقرار، حيث أعيد توجيه بعض الشحنات أو إرجاعها، في إطار مراقبة حركة تصدير المنتجات الفلاحية.

وكان المغرب قد أعلن، خلال الأسبوع الأول من نونبر الجاري، تعليقاً مؤقتاً لصادرات الطماطم نحو الأسواق الإفريقية، في ظل تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وما نتج عن ذلك من ارتفاع الأسعار داخل السوق الوطنية.

وأوردت وكالة رويترز أن القرار جاء بعد تراجع الإنتاج في منطقة سوس ماسة، إحدى أبرز المناطق المغربية المصدرة للطماطم، بسبب عوامل مرتبطة بالظروف المناخية وتكاليف الأسمدة والمحروقات.

كما تحدثت تقارير إعلامية مغربية عن إجراءات إضافية تتعلق بتعليق منح تراخيص جديدة لتصدير بعض المنتجات الفلاحية نحو الأسواق الإفريقية، بهدف ضبط الكميات الموجهة إلى الخارج وضمان تزويد السوق المحلية.

وفي تطور لاحق، أعلن الوزير المنتدب المكلف بالتجارة الخارجية، عمر حجيرة، عن التوجه نحو الاستئناف التدريجي لصادرات بعض أنواع الخضر ابتداءً من 9 نونبر، وفق تقييم يحدد المنتجات والكميات التي يمكن السماح بتصديرها.

ويؤكد هذا التطور أن الأمر يتعلق بإجراء مؤقت قابل للمراجعة، وليس بقرار نهائي لوقف المبادلات التجارية مع القارة الإفريقية.

وتبرز موريتانيا ضمن أبرز الأسواق التي ترتبط تجارياً بالمنتجات الفلاحية المغربية، خصوصاً الطماطم، حيث تكشف بيانات التجارة الدولية لسنة 2025 عن استيرادها نحو 34 ألفاً و423 طناً من الطماطم المغربية، بما يمثل حوالي 99.6 في المائة من إجمالي وارداتها المسجلة من هذا الصنف.

وبالنسبة إلى البطاطس، بلغت واردات موريتانيا من المغرب حوالي 4 آلاف و294 طناً، أي ما يعادل 6.3 في المائة من إجمالي وارداتها من هذا المنتج.

وتعكس هذه الأرقام حجم حضور المنتجات المغربية في السوق الموريتانية، كما تبرز أهمية استمرار تدفق الشحنات عبر المعابر والطرق التجارية التي تربط البلدين.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية إضافية بالنظر إلى تقارير إعلامية سابقة تحدثت عن إعادة توجيه جزء من المنتجات المغربية المستوردة عبر موريتانيا نحو أسواق في جنوب الجزائر، ولا سيما منطقة تندوف.

وتطرح هذه المسارات تساؤلات حول مدى تأثر الأسواق التي تستفيد من إعادة توزيع المنتجات المغربية بأي تغيير في سياسة التصدير أو في شروط نقل البضائع عبر موريتانيا.

غير أن تحديد حجم هذا التأثير يظل رهيناً بتوفر بيانات دقيقة حول الكميات التي يعاد تصديرها والوجهات النهائية للشحنات، إذ لا تعني أرقام الواردات الموريتانية بالضرورة أن المنتجات المغربية تصل بكاملها أو بجزء محدد منها إلى الجزائر.

وفي الجزائر، تزامن الجدل حول القيود المغربية مع تقارير محلية تحدثت عن ارتفاع أسعار البطاطس ونقص الكميات المعروضة في بعض الأسواق، ما أعاد طرح التساؤلات حول مدى ارتباط السوق الجزائرية بمسارات توريد غير مباشرة تمر عبر موريتانيا.

وتُظهر الأرقام المنشورة أن متوسط سعر البطاطس في أسواق التجزئة الجزائرية ارتفع من 91 ديناراً للكيلوغرام يوم 29 أكتوبر، إلى 95 ديناراً يوم 2 نونبر، ثم إلى 101 دينار يوم 4 نونبر.

وتكتسي هذه التواريخ أهمية خاصة، لأن ارتفاع الأسعار بدأ قبل إعلان تعليق صادرات الطماطم المغربية نحو الأسواق الإفريقية في 5 نونبر، وهو ما يجعل من الصعب اعتبار القرار المغربي سبباً مباشراً في الارتفاع المسجل بالجزائر.

وتحدثت تقارير جزائرية كذلك عن نقص في بعض نقاط البيع، وعن اللجوء إلى إخراج كميات من البطاطس المخزنة في غرف التبريد لتعزيز العرض في الأسواق.

وتشير هذه التطورات إلى وجود عوامل داخلية مرتبطة بالإنتاج والتخزين والتوزيع، إلى جانب التأثيرات المحتملة لتقلبات الإمدادات الخارجية. ومن ثم، فإن احتمال تأثر بعض الأسواق الجزائرية بتراجع تدفق المنتجات المغربية عبر موريتانيا يبقى احتمالاً يحتاج إلى بيانات تجارية إضافية لإثبات حجمه الفعلي.

وبعيداً عن الجدل المرتبط بحركة الشاحنات، تبرز أهمية معبر الكركرات باعتباره المنفذ البري الرئيسي الذي يربط المغرب بموريتانيا، وبوابة أساسية لحركة البضائع نحو عدد من أسواق غرب إفريقيا.

وقد ساهم الموقع الجغرافي للمملكة، إلى جانب شبكات الطرق والبنية التحتية اللوجستية، في تعزيز حضور المنتجات المغربية داخل عدد من الأسواق الإفريقية، وجعل المعبر جزءاً مهماً من منظومة التبادل التجاري الإقليمي.

وتمنح هذه المكانة لأي تغيير في شروط التصدير أو حركة نقل بعض المنتجات انعكاسات محتملة على الموردين والمستوردين وشركات النقل والوسطاء التجاريين، خصوصاً في الأسواق التي تعتمد على المنتجات المغربية بشكل كبير.

لكن هذا الحضور الاقتصادي لا يعني أن المغرب يتحكم بمفرده في حركة التجارة الإقليمية، إذ تظل المبادلات مرتبطة أيضاً بسياسات الدول المستوردة، والاتفاقيات التجارية، والقدرة على تنويع مصادر التموين.

ويضع القرار المغربي السلطات والفاعلين الاقتصاديين أمام معادلة دقيقة: ضمان وفرة المنتجات داخل السوق الوطنية وحماية القدرة الشرائية للمواطن، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ثقة الشركاء التجاريين في إفريقيا.

فالمغرب، الذي عزز خلال السنوات الماضية صادراته الفلاحية نحو عدد من الأسواق الخارجية، يواجه تحدياً يتمثل في تدبير فترات تراجع الإنتاج دون الإضرار باستمرارية علاقاته التجارية.

وفي المقابل، تبرز أمام الدول المستوردة أهمية تنويع مصادر التموين وتطوير قدراتها المحلية في الإنتاج والتخزين، تفادياً لأي اضطراب قد ينتج عن الاعتماد الكبير على مورد واحد أو مسار تجاري محدود.

أما على المستوى الإقليمي، فتفتح هذه التطورات النقاش حول موقع المغرب داخل شبكات الإمداد الإفريقية، ومدى قدرة القرارات الاقتصادية الوطنية على التأثير في حركة السلع وأسعارها خارج الحدود.

وفي الوقت الذي لا تتوفر فيه معطيات تثبت أن الإجراءات المغربية استهدفت الجزائر أو تسببت في ارتفاع أسعار البطاطس بها، فإن الملف يكشف بوضوح حجم الترابط التجاري بين أسواق المنطقة، وأهمية الممرات البرية التي تمر عبرها المنتجات المغربية في اتجاه العمق الإفريقي.

وبين حماية السوق الداخلية والمحافظة على موقع المملكة في التجارة الإفريقية، تبرز معادلة جديدة عنوانها تدبير المصالح الاقتصادية الوطنية دون التفريط في الشراكات الإقليمية، في وقت أصبح فيه الأمن الغذائي واستقرار سلاسل التموين من أبرز محددات العلاقات الاقتصادية بين الدول.