فن وإعلام

الباحثة فاطمة غازي تناقش أطروحة دكتوراه في موضوع "حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي"

كفى بريس

ناقشت الباحثة فاطمة غازي، يوم الاثنين الماضي، اطروحة لنيل الدكتورة في القانون الخاص، في موضوع:" الجماية القانونية للمعطيات ذات الطابع الشخصي -دراسة مقارنة- " تحت إشراف الدكتورة رجاء ناجي مكاوي، و بعد المناقشة قررت اللجنة منحها درجة دكتورة بميزة مشرف جدا مع توصية بالنشر.

في ما يلي ملخص للعرض الذي قدمته فاطمة غازي أمام اللجنة.

إن الحق في الحياة الخاصة من بين المواضيع التي اهتم بها المشرع الوطني والدولي، نظرا لارتباطه الوثيق بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية لا سيما في مجالات الحريات الفردية، كحرية الفكر والتعبير والإقامة والتنقل.

وتعتبر المعلومات والبيانات موردا أساسيا من موارد الاقتصاديات الوطنية والدولية، في مختلف القطاعات، إذ أصبح من السهل الحصول على المعلومات المخزنة على شبكة الإنترنيت في ثوان معدودة، إلا أنه لا يمكن أن نغفل خطورة ذلك على الحياة الخاصة للفرد: فالمعطيات الشخصية جزء لا يتجزأ من الحياة الخاصة للأفراد، وقد دعت جل الاتفاقيات الدولية إلى حمايتها.

ومن تم، فإن للمجتمع الحق في فرض مجموعة من الإلتزامات والرقابة على الأفراد، وهذه الرقابة تعتمد على المعلومات التي تتناول الأفراد. وتهتم الدولة بالحصول على هذه المعلومات حيث يترتب على ذلك التدخل في حياتهم الخاصة، وذلك لحماية الدولة من التجسس والتخريب. ورغم تزايد علاقات الناس وتشابكها طوعا أو كرها، إلا أنه لا تزال هناك حاجة لأن نميز بين الحياة العامة للشخص وحياته الخاصة وحقه في أن يتركه لشأنه. فبات من اللازم وضع ضمانات لحماية الحياة الخاصة للأشخاص تواكب هذا التطور الهائل الذي تشهده استخدامات الانترنيت التي فاقت كل التوقعات؛ فكانت وبحق من الظواهر الإنسانية الجديرة بالبحث والتقصي لما لها من انعكاسات على خصوصية الإنسان وحقه في التمتع بحياته الخاصة دون تطفل عليه من أحد.

   وتتجلى أهمية موضوع الدراسة في:

راهنية الموضوع من الناحية القانونية والإقتصادية، في ضوء تزايد الإعتماد على تكنولوجيا المعلومات في معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.

التركيز على مظاهر القصور التشريعي عن مواكبة التطور الحاصل في مجال تكنولوجيا المعلومات.

محاولة إبراز أهمية تظافر الجهود التشريعية والتقنية والإدارية والقضائية لتوفير الحماية اللازمة للمعطيات ذات الطابع الشخصي.

تسليط الضوء على دور الإجتهاد القضائي في حماية المعطيات الشخصية، وبخاصةٍ الإجتهادات القضائية الدولية والوطنية.

الكشف عن دور اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي باعتبارها المسؤول الأول عن ضمان تطبيقِ قواعدِ الحماية الخاصة بالمعالجة الآلية واليدوية للمعطيات الشخصية، وباعتبارها أيضا من ضمن هيئات الحكامة والتقنين المنصوص عليها دستوريا.

أسباب اختيار موضوع الدراسة:

دوافع ذاتية: تتمثل في:

  -الميل إلى المواضيع التي تفرض التوجه إلى الدراسات المقارنة التي يجتمع فيها التشريع والفقه والقضاء، لإبراز وتوضيح تجليات التكامل والتأثير فيما بينها، ولرصد مكامن الضعف والقوة في التشريع الوطني، للمساهمة ولو بجزء بسيط في تعديل وتحيين الترسانة القانونية الوطنية بما يتوافق والإلتزامات الدولية.

   -التأكيد على أن تظافر الوسائل الحمائية الواردة في الأطروحة، وهي الآليات التشريعية والتقنية والإدارية والقضائية، كفيلة بتحقيق الحماية القانونية اللازمة للمعطيات ذات الطابع الشخصي.

دوافع موضوعية:تتمثل في:

- الدراسة والتدقيق والبحث في الترسانة القانونية المغربية والأجنبية المنظمة لحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة معطياتهم الشخصية، وهي ذاتها محور إشكالية الدراسة.

إشكالية الدراسة:

هل توفق التشريع المغربي والمقارن في حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وبالتالي توفير الضمانات الكفيلة بالحماية المنشودة ؟.

وتتفرع عن هذه الإشكالية عدة تساؤلات، أهمها:

ما المقصود بالمعطيات الشخصية؟ وما أنواعها وطرق معالجتها؟؛

وما هو موقف الفقه المغربي و المقارن من حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي ، وما هي الضوابط والقيود التي توازن بين حق الفرد وحق المجتمع؟؛

وما مدى شرعية هذه المعالجة والمسؤولية المقررة في عملية جمع المعطيات الشخصية ومعالجتها في ظل الإستثناءات التي تبرر انتهاك حرمة معالجة المعطيات الشخصية والحساسة؟؛

وماهي التدابير المتخذة من قبل اللجنة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي في تدبير الملفات المعروضة عليها بالنظر لهيكلتها وتنظيمها ومجالات اختصاصها؟؛

وهل يمكن أن يكون للحماية التقنية دور في توفير الحماية اللازمة للأشخاص الذاتيين تجاه معطياتهم الشخصية في ظل الثورة الرقمية والتطورات الجارية في مجال الاتصالات والمعلومات؟

وما هو دور الإجتهاد القضائي في توفير الحماية للمعطيات الشخصية؟ وما مدى كفاية النصوص القانونية وإحاطتها بجميع النوازل المعروضة على القضاء؟.

مناهج الدراسة:

من أجل الإجابة عن إشكالية البحث وما تفرع عنها من أسئلة، تم اعتماد المناهج التالية: المنهج التاريخي؛ المنهج الوصفي؛ المنهج التحليلي؛ المنهج المقارن؛ المنهج الإستقرائي؛ والمنهج والإستنباطي.

انطلاقا من مقاربة تعريفية لمختلف المصطلحات والمفاهيم القانونية الواردة في هذه الاطروحة، وبلمحة تاريخية عن تطور موضوع حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، كما اعتمدت المنهج المقارن بين القانون الفرنسي والامريكي باعتبارهما منتميين لنظامين قانونيين مختلفين، فضلا عن استحضار العديد من الاحكام والقرارات القضائية لاستقراء واستنباط اتجاهات القضاء بمختلف درجاته حول موضوع الدراسة.

خطة الدراسة: خطة بحث تقوم على الثنائية.

تقسيم الموضوع إلى بابين وكل باب إلى فصلين:

- الباب الأول: الأحكام العامة للحماية القانونية للمعطيات ذات الطابع الشخصي.

- الباب الثاني: الآليات الحمائية لضمان تطبيق حماية فعالة للمعطيات ذات الطابع الشخصي.

الفصل الأول: التعريف بالماهية القانونية للمعطيات الشخصية ونطاق تطبيق معالجتها؛

الفصل الثاني: الحماية التشريعية للمعطيات ذات الطابع الشخصي على مستوى الإتفاقيات الدولية والتشريعات المقارنة والقوانين الوطنية.

الفصل الأول: خصصته للماهية القانونية للمعطيات ذات الطابع الشخصي، عالجت فيه ماهية ومجال المعطيات ذات الطابع الشخصي من خلال مختلف تعريفاتها في التشريع الوطني والمقارن؛ الى جانب التعريف بالأشخاص المشمولين بحماية معطياتهم الخاصة، لاسيما تلك المرتبطة بالشخص الطبيعي، ومدى تسهيل المعطيات الشخصية التعرف على الشخص الذاتي، ونطاق معالجة المعطيات الشخصية على شبكة الانترنيت وخارجها والمعالجة التي استثناها القانون الوطني رقم 08.09.

كما تطرقت الى مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي وحقوق الأشخاص المعنيين بمعالجة معطياتهم الشخصية. وركزت من خلالها على أصناف ملفات المعطيات الشخصية في القطاع العام، لاسيما ملفات الجماعات الترابية والمستشفيات العمومية، وملفات المعطيات ذات الطابع الشخصي في القطاع الخاص والمتعلقة أساسا بملفات البنوك ومؤسسات الإقتراض وكذلك المعطيات الشخصية المتعلقة بالأجراء.

كما وقفت على تعريف حقوق الأشخاص المعنيين بمعالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، وبخاصة الحقوق المتعلقة بالإخبار والولوج والتصحيح والتعرض، وتطرقت إلى التزامات المسؤول عن معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، المتمثلة في معالجة المعطيات بطريقة آمنة ومشروعة وشفافة واحترام الغاية من المعالجة ومبدأ التناسب والسهر على جودة المعطيات وضمان سلامتها وسريتها، وممارسة الأشخاص المعنيين لحقوقهم، وإشعار اللجنة الوطنية في الحالات التي تتطلب تصريحا قبليا أو طلبا للترخيص بالمعالجة.

الفصل الثاني: خصصته للحماية التشريعية للمعطيات ذات الطابع الشخصي على مستوى الإتفاقيات الدولية والتشريعات المقارنة والقوانين الوطنية. ولأن المعالجة المعلوماتية للملفات الشخصية تجاوزت شكلها التقليدي اليدوي، لتتحول إلى معالجة معلومات إلكترونية، تتطلب حماية تشريعية، تطرقت في هذا الفصل إلى دراسة مظاهر الحماية التشريعية الدولية والإقليمية، بينما سلطت الضوء في آخر هذا الفصل على الضمانات والآليات الحمائية في التشريع المغربي للمعطيات ذات الطابع الشخصي.

الباب الثاني: الآليات الحمائية لضمان تطبيق حماية فعالة للمعطيات ذات الطابع الشخصي

الفصل الأول : الآليات التقنية والإدارية لضمان تطبيق حماية فعالة للمعطيات ذات الطابع الشخصي .

 الفصل الثاني : الحماية القضائية للأشخاص الذاتيين تجاه المعطيات ذات الطابع الشخصي.

 خلصت من خلال الفصل الأول إلى أنه إذا كان التشريع كما أسلفت في الفصل الأول يعتبر أساسا لحماية معطيات المواطنين ذات الطابع الشخصي، فمن الضروري أن توفر ضمانات أخرى تهدف بالأساس إلى مراقبة التطبيق الصحيح للقانون، وتوفر الحماية اللازمة للأشخاص الذاتيين تجاه معطياتهم الخاصة، ومنها الحماية الإدارية والتقنية في ظل الثورة الرقمية والتطورات الجارية في مجال الاتصالات والمعلومات.

وتطرقت في الفصل الأول إلى الآليات المعتمدة لتأمين المعطيات الشخصية، لاسيما صور النظم التقنية بما فيها الجدران النارية ونظام المعاملات الإلكترونية الآمن ونظام كشف الإقتحام، فضلا عن آليات حماية المعاملات الإلكترونية عبر وسائل التوقيع الإلكتروني بصوره الأربعة: التوقيع الرقمي والتوقيع البيومتري والتوقيع الكودي والتوقيع بالقلم الإلكتروني.

 كما بحثت فيه عن الآليات الإدارية لحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معطياتهم الشخصية من خلال تقسيمه إلى الآليات المؤسساتية المعهود إليها بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي في التشريع المغربي والمقارن، وتطرقت إلى دور اللجنة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي المعهود إليها قانونا:

 بالسهر على التحسيس وتكريس ثقافة حماية الحياة الخاصة؛

 وتلقي ومعالجة المعطيات الشخصية؛

 إضافة إلى ما تقوم به بصفتها الهيئة المخول لها إجراء عمليات المراقبة والتحري من أجل ضبط أي انتهاك للقانون واتخاذ التدابير اللازمة التي قد تصل إلى حد إحالة الملف على المحكمة لتفعيل العقوبات المنصوص عليها في القانون رقم 08.09.

وفي نفس الإطار تطرقت إلى الحماية الإدارية للمعطيات ذات الطابع الشخصي المطبقة من طرف بعض التنظيمات الخاصة بالأمن السيبراني بالمغرب وببعض الدول الأوربية لا سيما اللجنة الوطنية الفرنسية للإعلاميات والحريات، ومفوض المعلومات بألمانيا.

الفصل الثاني: الحماية القضائية للأشخاص الذاتيين تجاه المعطيات ذات الطابع الشخصي.

عالجت من خلاله حماية القضاء المدني للمعطيات ذات الطابع الشخصي، ثم حماية القضاء الجنائي للمعطيات ذات الطابع الشخصي.

- وفي الشق المدني : أوضحت أن المعطيات الشخصية من الحقوق التي تشملها الحماية المدنية لما توفره هذه الحماية لصاحب الحق من طلب اقتضاء حقه في التعويض عن الأضرار الناجمة عن أي تعد على الحياة الخاصة سواء كان هذا الاعتداء ناتجا عن مسؤولية تقصيرية أو نتيجة إخلال بالتزام ناشئ عن عقد.

- وأكدت على أن التشريع المغربي مكن صاحب الحق من تقديم دعواه أمام المحكمة المختصة بالنظر في القضايا المدنية على اعتبار أن محل التعدي على الحياة الخاصة من حيث الأصل يمثل خطأ مدنياً موجباً للتعويض، وذلك بصريح الفصلين 77 و 78 من ق.ل.ع والمتعلقة بالنظرية العامة للمسؤولية المدنية، على أساس أن كل فعل ضار ماس بالحياة الخاصة من شأنه أن يؤدي إلى طلب التعويض عنه لفائدة المتضرر وذلك إذا ما توافرت العناصر الثلاث (الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما).

- ووقفت على بعض اجتهادات القضاء المقارن بشأن إمكانية الحكم بالتعويض بمجرد المساس بالحياة الخاصة والمعطيات الشخصية دون الرجوع إلى الأحكام العامة للمسؤولية المدنية التي تفترض قيام الخطأ وثبوت الضرر وثبوت العلاقة السببية بين الخطأ والضرر وذلك انطلاقا من أن الدساتير العالمية تنص على أن حماية المواطنين الخاصة حرمة يحميها القانون، وأن لكل من وقع اعتداء عليه غير مشروع في حق من الحقوق الملازمة لشخصيته أن يطلب وقف هذا الاعتداء مع التعويض عما يكون قد لحقه من ضرر.

- كما أبرزت من زاوية أخرى اختصاص القاضي الإداري للبت في الطعون الرامية إلى إلغاء قرارات اللجنة الوطنية انطلاقا من مبدأ المشروعية، وكذلك في دعاوى القضاء الشامل الرامية إلى الحكم بالتعويض جبرا للضرر المثبت، وذلك انطلاقا من مقتضيات الفصل 118 من الدستور التي تنص على أن "حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه، وعن مصالحه التي يحميها القانون . كل قرار اتخذ في المجال الإداري سواء كان تنظيميا أو فرديا يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة"

- أما في الشق الجنائي فتطرقت الى حماية القاضي الجنائي للمعطيات ذات الطابع الشخصي، وفصلت في صور الحماية الجنائية للمعطيات ذات الطابع الشخصي في القانون رقم 09-08، ويتعلق الأمر ب:

1- الجرائم الماسة بالقواعد الشكلية للمعالجة:

جريمة عدم التوفر على تصريح أو إذن، أو مواصلة المعالجة بعد سحبهما؛

جريمة معالجة المعطيات الحساسة بدون رضى مسبق؛

جريمة المعالجة بدون تصريح أو بدون إذن مسبق؛

جريمة معالجة شخصية تتعلق بمخالفات أو إدانات أو تدابير وقائية؛

2- الجرائم الماسة بالقواعد الموضوعية للمعالجة:

جريمة المعالجة تمس بالأمن الداخلي أو الخارجي للدولة أو بالنظام العام أو منافية للأخلاق والآداب العامة؛

جريمة حرمان الشخص المعني من الحقوق التي أقرها القانون 09-08؛

جريمة جمع المعطيات ذات الطابع الشخصي بطريقة تدليسية أو غير نزيهة أو غير مشروعة جريمة جمع المعطيات ذات الطابع الشخصي بطريقة تدليسية أو غير نزيهة أو غير مشروعة؛

جريمة الإحتفاظ بالمعطيات ذات الطابع الشخصي بكيفية غير مشروعة لمدة غير قانونية؛

جريمة معالجة معطيات ذات طابع شخصي تبين بشكل مباشر أو غير مباشر الأصل العرقي أو الإثني أو الآراء السياسية أو النقابية أو الفلسفية أو الدينية؛

3- الجرائم المتعلقة بشكليات الحماية والتعاون مع اللجنة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.

جريمة الامتناع عن التعاون مع اللجنة الوطنية؛

جريمة عرقلة ممارسة اللجنة الوطنية لمهامها في المراقبة؛

جريمة رفض استقبال المراقبين وعدم السماح لهم بإنجاز مهامهم؛

جريمة رفض إرسال الوثائق أو المعلومات المطلوبة؛

جريمة رفض نقل الوثائق التي ينص عليها القانون؛

جريمة رفض تطبيق قرارات اللجنة الوطنية.

كما عالجت صور الحماية الجنائية للمعطيات ذات الطابع الشخصي في القانون الجنائي الحماية الجنائية للمعطيات الشخصية وفقا للقانون 03-07 والقانون 103-13

أ واستخلصت أن المشرع لا يجرم من الأفعال إلا ما كان منها مضرا بالمجتمع، ومن هذا المنطلق فإن الجريمة لا تتحقق قانونا إلا إذا وجد نص قانوني يُجرم الفعل أو الإمتناع ويعاقب عليه (مبدأ الشرعية). وأن القانون رقم 09-08 ينص على مجموعة من المواد ذات الطبيعة الزجرية في الباب السابع منه (المواد من 51 إلى 65) إلا أنني لم أعثر على أي عمل قضائي يقضي بالعقوبات الزحرية الواردة به.

- كما، تطرقت للمسؤولية الجنائية عن الجرائم الماسة بمعالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي لاسيما الأشخاص المسؤولين عن معالجة هذه المعطيات (الشخص الطبيعي والأشخاص المعنوية الخاصة والعامة). والجزاءات الجنائية المطبقة على الشخص المعنوي، وتطرقت أخيرا للقواعدِ الإجرائيةِ الماسةِ بمعالجة المعطيات الشخصية بدءا بالتحري عن الجرائم الماسة بالمعالجة، والجهات المكلفة بالتحري إلى تحريك الدعوى العمومية من طرف كل من النيابة العامة ومن طرف الشخص المضرور.

- وتطرقت أيضا، إلى وسائلِ إثبات الجرائم الماسة بالمعالجة، ووقفت عند صعوبة إثباتها، بعدما رصدت وسائل الإثبات التي تبقى ممكنة، كمحاضر ضباط الشرطة القضائية والأعوان المفوضين، والخبرة التي تبقى خاضعة للسلطة التقديرية للقاضي في تكوين قناعته، وفق المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية.

وللوصول إلى الإجابة عن الإشكال المحوري لموضوع البحث .وقفت على عدة خلاصات، على مستوى التشريع المقارن والتشريع الوطني. أهمها ما يلي:

أولا : على مستوى التشريع المقارن

1- النموذج الأوربي: الذي توفق التشريع المقارن الأوربي في سن قواعد أوربية موحدة عن البرلمان والمجلس الأوربيين بتاريخ 2016/04/27 حول حماية البيانات الشخصية والذي دخل حيز التنفيذ في ماي 2018 تحت عنوان "القواعد العامة لحماية البيانات": فبعدما كانت تشريعات الإتحاد الأوربي تتألف من 28 تشريعا وطنيا لحماية البيانات الشخصية، والتي لم تعد ملائمة لحركة التطور السريعة ولتصاعد أنواع التهديدات.

- ومن مظاهر توفق التشريع الأوربي كذلك تمتعه بقوة القانون ودون الحاجة إلى إصدار دول الاتحاد الأوروبي قوانين وطنية لإعطائها القوة التنفيذية.

-وخلصت إلى عدم مواكبة القانون رقم 09-08 المستجدات التي جاء بها النظام الأوربي الجديد لحماية المعطيات الشخصية لاسيما بالنسبة للشركات والبنوك المغربية، فمن بين المستجدات التي قد تؤثر على الشركات المغربية نجد توسيع القانون ليشمل المتعهدين، ويتعلق الأمر بالشركات المغربية التي تعمل في قطاع ترحيل الخدمات والتي أصبحت مطالبة بتعيين مندوب حماية المعطيات الشخصية، وضرورة وجود عقد ملزم مع المسؤول عن المعالجة والإحتفاظ بسجل معالجة المعطيات، كما شددت عقوبة المخالفين إلى غرامة مالية رادعة تصل إلى 20 مليون يورو أو 4% من رقم المعاملات الدولية للمسؤول عن المعالجة.

- نفسه الأمر بالنسبة للبنوك المغربية لاسيما فروعها المنشأة في دول الإتحاد الأوربي، التي تظل معنية بالنظام الأوربي الجديد لحماية المعطيات الشخصية في حال قيامها بمعالجة معطيات شخصية لصالح الفروع البنكية أو معالجة البيانات الشخصية للأشخاص الذاتيين الموجودين في أوربا لغرض تقديم السلع أو الخدمات، وهو ما يستلزم قيام اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي بتعديل القانون المغربي رقم 09-08 لمواكبته المستجدات الدولية لاسيما النظام الأوربي الجديد لحماية المعطيات.

2- النموذج الأمريكي: خلصت إلى:

تجنبه وضع تشريعات متخصصة في موضوع حماية البيانات والمعطيات الشخصية خاصة في مجال الإنترنيت خشية التقييد والتضييق على النشاط التجاري المهم الذي يتم عبر الشبكة العنكبوتية. وباعتبار الولايات المتحدة الأمريكية مقرا للشركات الكبرى المختصة في المجال المعلوماتي.

تركيز التشريع الأمريكي على الجانب الاقتصادي، وجعل البيانات المتداولة بمثابة بيانات تجارية ذات قيمة خاضعة لحاجيات السوق يتم حمايتها على هذا الأساس انطلاقا من قوانين منع المنافسة غير المشروعة ومنع الإحتكار وحماية المستهلك ومنع الغش، بالإضافة إلى دور القضاء في حماية الحقوق والحريات.

المشرع الأمريكي لم ينص على لجنة لحماية المعطيات الشخصية بل أحدث هيئة لتتبع الملفات المرتبطة بالإنترنيت والمواقع الإلكترونية مع إعطاء صلاحية موسعة للقضاء لحماية الحقوق والحريات.

بذلك خلصت الى وجود معيقات للحماية الدولية للمعطيات ذات الطابع الشخصي، منها معيقات واقعية وأخرى قانونية.

1- المعيقات الواقعية: تتمثل في:

اختلاف المصالح والأهداف الدولية لا سيما المصالح التجارية والأرباح التي يمكن تحقيقها من تداول المعطيات الشخصية واستغلالها.

ضعف مجاراة النصوص القانونية لسرعة التطور التكنلوجي لغياب واضح لقواعد قانونية ملزمة.

مواقع التواصل الاجتماعي تبقى أخطر مكان لانتهاك الخصوصية المعلوماتية للشروط التي يتطلبها التسجيل في الموقع والتي ترتبط أساسا باستغلال المعطيات الشخصية لصالح الموقع مقابل الخدمة المجانية التي يقدمها.

2- المعيقات القانونية: تتمثل في:

عدم إلزامية النصوص القانونية الدولية الخاصة بحماية المعطيات الشخصية، لكون أغلب الإتفاقات الدولية عبارة عن توجيهات وتوصيات. كما أن القواعد الأوربية الموحدة تبقى ملزمة فقط بالنسبة لدول أعضاء الإتحاد الأوربي، وبعض المؤسسات الخاصة كالشركات والابناك المتواجدة فوق التراب الاوروربي.

غياب جهاز مؤسساتي دولي على غرار اللجان الوطنية لمراقبة حماية المعطيات الشخصية، يساهم في غياب المراقبة على تطبيق وملائمة القوانين الوطنية مع التوجهات الدولية في مجال حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي خاصة في إطار نقل المعطيات وتداولها خارج الحدود.

ثانيا : على مستوى التشريع الوطني

تم تسجيل العديد من الخلاصات من بينها:

 يدخل القانون رقم 09-08، في إطار تحديث وتأهيل المنظومة القانونية المغربية، لترسيخ دولة الحق والمؤسسات وتوسيع مجالات الحريات الفردية والجماعية، وضمان ممارستها وتعزيز منظومة حقوق الإنسان.

 إن طبيعة النظم المعلوماتية وعلاقتها بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي تحتاج لمزيد من التقنين.

 تركيبة اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي لا تضم في تشكيلتها قاضيا بصفته هذه، ولا تمثيلية لقضاة المجلس الأعلى للحسابات، ولا ممثلا عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان.

خلو القانون رقم 09-08 من إمكانية انتقال الحق في الخصوصية بوفاة الشخص المعني، رغم أن هذا الحق يستهدف حماية الكيان المعنوي للإنسان أثناء حياته، ولكن تأكيد هذه الحماية يمكن أن يمتد إلى ما بعد الوفاة.

فرغم النقائص التي يتضمنها القانون رقم 09-08، فالمملكة المغربية تعتبر من بين البلدان القليلة بدول الجنوب التي انخرطت في مجال حماية المعطيات الشخصية مؤسساتيا وقانونيا، إذ تم إحداث آلية رقابية بسند دستوري. فالمنتظر منه تحقيق النجاعة والفاعلية في توفير الضمانات، لتمارس معالجة المعطيات الشخصية بشكل يضمن الموازنة بين التقدم العلمي بوسائل الإتصال الحديثة كحتمية يتطلبها عصر المعلومات والإتصال وبين عدم تهميش حقوق الإنسان وعدم المساس بخصوصياته.

لذلك أقترح ما يلي:

ضرورة مراجعة القانون رقم 09-08 والقوانين المتعلقة بالخصوصية من حين لآخر لمواكبة المستجدات الدولية، والثورة التكنولوجية لحماية المعطيات الرقمية وضمان الأمن السيبراني في زمن تطبيقات التكنولوجيا الناشئة عن الذكاء الإصطناعي والحوسبة السحابية.

تعديل بعض نصوص القانون الجنائي ذات الصلة بالحياة الخاصة لتفادي تضارب نصوصه مع مواد القانون رقم 09-08.أو دمج العقوبات الزجرية الواردة في القانون 09-08 ضمن مجموعة القانون الجنائي في باب يتعلق بالعقوبات الخاصة بالجرائم الماسة بالمعطيات ذات الطابع الشخصي (كما فعل المشرع الفرنسي).

 جعل الميزانية المخصصة للجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي من الميزانية العامة للدولة وتحت رقابة المجلس الأعلى للحسابات .

تعزيز الحماية بإضافة الحماية الجنائية للمساس بحق الحياة الخاصة للأسرة .

أن تكون المتابعة الجزائية بشأن إتيان الأفعال الواردة بمواد القانون رقم 09-08 بناء على شكاية الشخص المضرور كقيد من قيود تحريك الدعوى العمومية.

التنصيص على حالة التنافي بين العضوية في اللجنة الوطنية لحماية ومراقبة المعطيات ذات الطابع الشخصي وممارسة أي وظيفة عمومية أو مسؤولية في هيئة أخرى أو أي نشاط سياسي أو نقابي من أجل توفير ضمانات قوية للاستقلالية والحياد التام لأعضاء اللجنة الوطنية.

التنصيص صراحة في القانون رقم 09-08 على تجريم استعمال كاميرا المراقبة و كاميرات الهواتف الذكية بنص القانون.

التنصيص ضمن مواد القانون رقم 09-08 على الحق في النسيان، وعلى مدة تعيين رئيس اللجنة الوطنية بشكل واضح.

تضمين القانون رقم 09-08 ما يرتبط بالجرائم الماسة بالمعطيات الشخصية المرتكبة عن طريق الصحافة. وتعزيزه بنص خاص بالحماية من البريد الإلكتروني الدعائي المغرق للصناديق البريدية الإلكترونية. مع إعادة مراجعة آليات العقاب لتحقيق النجاعة والفعالية، وذلك بتضمين القانون رقم 09-08 بإجراء الصلح أو الوساطة.

إضافة مادة في القانون رقم 09-08 تنص على عقوبة معالجة معطيات شخصية تخص القاصرين. وأيضا رفع التناقض بين المادة 8 من القانون المذكور، والمادة 40 من مرسومه التطبيقي.

وأيضا،حذف الفقرة الأولى من المادة 11 من القانون رقم 09-08 التي تنص على أنه : "لا يمكن للأحكام القضائية أن تتضمن تقييما لسلوك شخص من الأشخاص أن يكون مبنيا على معالجة آلية لمعطيات ذات طابع شخصي يكون الغرض منها تقييم بعض جوانب شخصيته" لأن المعطيات المضمنة في الاحكام والقرارات القضائية وإن كانت شخصية فإنها تكون مستخلصة من وثائق الملف وما راج بالجلسات العمومية تطبيقا لمبدأ العلنية المنصوص عليه قانونا.

كما أقترح، إعداد ورشات تطبيقية في مجال الحماية التقنية للمعطيات ذات الطابع الشخصي لتوفير خبراء في المهارات الرقمية. وتفادي اختراق أو تعطيل أو إتلاف قواعد البيانات.

وأخيرا أقترح، بحث المختصين في علم الاجتماع في ماهية الأسباب والاثار الناجمة عن التعدي على المعطيات ذات الطابع الشخصي. دون إغفال دور وسائل الإعلام (المرئية والمسموعة والمكتوبة) في توعية المواطن العادي بسبل حماية خصوصياته، والقوانين المنظمة في حال المساس بها.