رياضة

ضربات الترجيح والتوتر الوجودي للكينونة في مواجهة المصير: سقوط الأكاذيب أمام روح شعب

المصطفى سكم (شاعر)

قبل كأس إفريقيا للأمم المقام حاليا ببلدنا، لم أكن أصدق أن " بالإضافة إلى العرب العاربة والعرب المستعربة والعرب البائدة ، يوجد العرب الحاقدة والعرب الجاحدة". أليس هذا القول كاشفاً عن جرح رمزي عميق مما خلفه إعلام بعض الدول العربية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت معها الرياضة إلى مرآة للانقسامات بدل أن تكون جسراً للتلاقي والاعتراف المتبادل؟ روّج هذا الإعلام لاتهامات بالتحيز وشراء الحكام ـ تصريحا أو همسا أو تلميحا ـ ، بينما واجه المغرب إلى حدود الآن سوء تقدير الحكام بصمت، مكتفياً باللعب بروح رياضية، كمن يواجه قدره بكرامة وعزة نفس تتجلى في هذا الكرم الحاتمي ، وهذا البذخ اللوجيستيكي. فهل كرة القدم مجرد منافسة على الغلبة والانتصار وإلحاق الهزيمة بالخصم المغلوب * على أمره*، أم أنها أفق للكينونة حيث ينكشف الإنسان في إبداعه وجرأته وشجاعته ومقاومته وبالتالي: حريته؟  

أي نعم ، ليست كرة القدم مجرد لعبة، بل هي انكشاف للكينونة في أفق اللعب، إن الإنسان كائن "في العالم"، ينفتح على إمكاناته عبر تجاربه الإنسانية وممارساته الواعية بما فيها اللعب و الملعب هنا هو الفضاء الأمثل للحرية ـ حرية اللاعب و المشجع ـ ، حيث يلتقي الجسد بحلم قبلي يتصبب عرقا وانتحارا من أجله، وتلتقي المهارة بالخيال المبدع في اللعب والتشجيع. لكن ماذا يحدث حين تُغلق الاتهامات هذا الأفق، وتحول الرياضة إلى أداة للهيمنة الرمزية والإسقاطات السيكولوجية المرضية والاستخدام الإيديولوجي للسلط السياسية ؟ أليس جوهرها الاعتراف المتبادل واستنهاض ملكات شباب قارة وتقوية أواصر التضامن عن طريق التنافس الشريف، لا التشكيك في قيمة الآخر والحط منه وإذلاله وجعله مشجب فشله ؟  

ليس اللعب في جوهره الفلسفي صراعاً على الغلبة فقط، بل هو احتفال بالوجود الإنساني ( الإفريقي) المشترك. كرة القدم تُمتع الجماهير، لكنها أيضاً تُعلّم التضامن والتآخي وتطوير القدرات الفردية والجماعية. فكيف يمكن أن يُتهم المغرب بشراء المباريات، بينما القيمة الحقيقية للرياضة تكمن في قدرتها على تقريب الشعوب، لا في تكريس الصور النمطية أو إعادة إنتاج علاقات القوة؟  

إذا كانت العدالة في الرياضة وكرة القدم خاصة تختزل في قرارات الحكام ومدى خضوعها لقواعد اللعبة، فإن روح العدالة تكمن أساسا في الاعتراف المتبادل بالقيمة الإنسانية للآخر وحق أي طرف في التفوق المؤقت. المنتخب المغربي، وهو يواجه "التعسف" التحكيمي، جسّد معنى الصبر والالتزام، دون أن ينزلق إلى خطاب الاتهام أو التشكيك. أليس هذا الموقف دليلاً على أخلاق رياضية أعمق من مجرد الفوز والخسارة، أخلاق تقوم على احترام الذات والآخر، وعلى الإيمان بأن الرياضة فضاء للتربية قبل أن تكون ساحة للصراع السياسي وللهيمنة؟  

في لحظات ضربات الترجيح، كان المنتخب المغربي يعيش حالة يكن أن أسميها : التوتر الوجودي في مواجهة المصير: بين البقاء والإقصاء، بين حلم جيل وانهياره، بين وطن يتنفس عبر أقدام لاعبيه وبين موت رمزي يتهددهم ـ لنتخيل فقط نهاية في مركب ضخم بدون المنتخب المغربي ـ . كل ركلة ترجيح كانت سؤالاً عن معنى وقيمة الاستمرارية والبقاء، وكل تصد لبونو أو تسجيل للاعب مغربي فعل مقاومة ضد الفناءـ هكذا يمكن فهم انهيار حمزة إغمان مثلا ـ . فهل يمكن لمن يُزعم أنه متواطئ أن يقف وجهاً لوجه أمام خطر الإقصاء، أمام الموت الرمزي الذي يهدد حلم وطن بأكمله؟ لقد تحولت مباراة نصف النهاية إلى دراما وجودية، حيث القدر نفسه قدّم الجواب للمشككين وأخرس الجميع: الرياضة ليست مجالاً للصفقات الخفية، بل مسرحاً للوجود، حيث يتجلى الإنسان في أسمى صور الشجاعة والاعتراف والإبداع والإمتاع.

لكن هل رأيتم دموع حكيمي ودياز ؟ 

لقد جسدت دموعهما اللحظة الإنسانية الكبرى ، وهما يتعانقان في مشهد يختزل معنى الانتماء. تلك الدموع لم تكن ضعفاً، بل كانت إعلاناً عن فرج وجودي، عن انتصار الروح الجماعية على كل الصور النمطية. هنا سقطت فكرة "اللاعب المستورد"، إذ أثبت دياز أن الانتماء ليس ورقة ميلاد، بل شعور بالوطن، تشبث بفلسفة إعلاء الراية خفاقة، واسم المغرب متردداً عبر أشهر وأصداء القنوات الإعلامية. في ظرفية سياسية حساسة يجتازها العالم، كان عناق الدموع رسالة كونية: الرياضة قادرة على إعادة تعريف الهوية، وعلى جعل الانتماء فعل حب واعتراف والتزام، لا مجرد انتماء شكلي أو جواز رياضي.  

لم يكن الملعب تحت أضواء عيدنا الأمازيغي البهيج مجرد فضاء للركض والتمرير، بل امتلأ بهدير الجماهير الحقيقية، جماهير الكرة التي بَحّت أصواتها بالتشجيع طيلة 120 دقيقة وما قبلها وما بعدها. هذه الجماهير أرسلت رسالة قوية إلى الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم: مثل هذه المباريات لا تُخاض بجمهور السلفيات والبوفيات ومقصورات الثراء، بل بجمهور الألتراس العاشق لفن كرة القدم، لوطن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. فهل يمكن أن تُختزل كرة القدم في مقصورات الثراء، بينما هدير الجماهير يعلن أن الرياضة ليست ترفاً، بل فعل انتماء ومقاومة؟  

يرى يوهان هويزينغا أن اللعب أصل الثقافة، وأن الإنسان لا يُعرّف فقط بالعقل أو العمل، بل أيضاً باللعب. كرة القدم إذن طقس ثقافي، يعيد إنتاج معنى الشخصية الأساسية ومعنى الجماعة، ويقرب الشعوب فيما بينها. لكن كيف يمكن أن تُفرغ الاتهامات هذا الطقس من معناه، وتحوله إلى أداة للتشكيك، بينما جوهره هو المتعة والتضامن والتآخي؟  

كرة القدم لغة عالمية، يتحدثها الجميع بلا ترجمة. هي لعبة تُذيب الحدود وتخلق جسوراً بين الثقافات. وحين يُتهم المغرب ظلماً، فإن القضية لا تخص فريقاً وطنياً فقط، بل تخص معنى الرياضة نفسها: هل هي مجال للتلاقي أم أداة للتفريق؟ هل هي احتفال بالإنسان أم إعادة إنتاج للصور النمطية؟  

إن ما واجهه المنتخب المغربي في كأس أمم إفريقيا 2025ـ فيما قبل المقابلة النهائية ـ يكشف عن التوتر بين الروح الأصيلة للرياضة ومحاولات تسييسها أو تسليعها. لكن المغرب، بصموده وأخلاقه، أعاد التذكير بأن كرة القدم ليست مجرد نتائج، بل هي ثقافة و فلسفة للوجود المشترك، حيث المتعة والتضامن والتآخي هي القيم العليا. الرياضة، في معناها الأعمق، ليست ساحة للحقد أو الاتهام، بل فضاء للاعتراف بالآخر، وللاحتفال بالإنسان في أفقه الكوني.