أولا: سعيد عاهد، ليس رجلا مسقوفا بالأجراس، مادام «يقضي حوائجه بالكتمان». نادرا ما يعبر عن تبرمه أو انزعاجه من شيء. لا يرد الإساءة بمثلها، ولا يسعى إلى لفت الانتباه إليه، حتى وهو يتميز ويتفرد ويضيء. إنه يكتفي، في كل حين، بدعوتهم إلى اهتبال «الجزء المملوء من الكأس»، بينما يشرب حتى الثمالة، ومن برج لا يعتليه سواه، ذلك «الجزء الفارغ» المثخن بالهوامش والطروس..
ثانيا: لا يهتم، لبناء فكرة ما، برفع المآذن والقلاع قدر اهتمامه بحفر الأنفاق التي يباشرها من أسفل مثل حيوان الخلد، ذلك لأنه معني بالمداخل الممكنة والمخارج المحتملة، على حد سواء.
ثالثا: يقول سعيد إنه «غير معني»، والحال أنه يترك لديك، إذا كلمته، الانطباع بأنه كان يقف، قبل قليل، فوق أسوار العالم ليتلصص على نبض الكرة الأرضية، وأحوال المناخ والطقس، ودرجات التوتر، وأسبابها ومسبباتها..
رابعا: «صقر مطارد في غابته»، كم تلقى من مؤامرة، لكنه ردها بجدارة الذين يحلقون عاليا.. أحيانا، بعدم الاكتراث، وأحيانا أخرى بالفزع إلى ذكائه الوقاد وحلمه الذي لا يختلف حوله اثنان. كم حاربوه في ما يثريه، وكم فاض عليهم وأغرقهم في شساعته!
خامسا: لا ينظر إلى الرؤوس المطرقة باستصغار. فهو ذو فراسة تمشي على الحصى فتشعر بالماء. ولذلك يحبه الصابرون والمستضعفون و«معتنقو الأنفة»، ويعتبرونه صوتهم إذا تحدث، لأنه إذا تحدث أصاب، وإذا أصاب قتل..
سادسا: قوته في كثرته. فإذا أشعلنا الأضواء، فهو الشاعر، وهو الإعلامي، وهو المترجم، وهو القارئ، وهو السياسي، وهو الناشط المدني، وهو الديبلوماسي، وهو المتفوق في الرياضيات، وهو الباحث في الأنتروبولوجيا الثقافية والتاريخ، وهو النديم، وهو لاعب الكرة، وهو الجديدي الدكالي المغربي الإفريقي الكوني، وهو هذا الماثل أمامكم الذي ينظر إلينا جميعا من زوايا خفية..
سابعا: إنه طفل ما زالت خطواته تلتهب في كل الممرات عمرا كاملا، طفل في غضبه، وطفل في مرحه، وطفل لا ينظر في المرآة كثيرا حتى لا يُضَيِّع دهشته، أو حتى يظل على علاقة جيدة مع ظله..






