رياضة

لا تتفرج بقلبك

عبد الحميد اجماهيري (كاتب صحفي)

كانت نصيحة الطبيب صارمة: «لا تتفرج بقلبك»، وكنت، كأي مريض يتعافى، مثل طفل مهذب مقبل على فروضه في الطاعة للمعلم، ووعدته بأنني سأرى بما يجب أن أرى به مقابلة المغرب ونيجيريا، دون أن أغضبه.

كان صعبا ألا تحمل قلبك معك، وأنت تبحث عن مكان لتشاهد مباراة المغرب ضد نيجيريا، وكان صعبًا للغاية أن تكون بارد الأعصاب، وجِديًا مثل شرطي مرور، وصعبًا أن تضع مع كل هجوم علامات «قف»: «أوقف، يا قلب، ترتيل أسماء اللاعبين والأولياء والصالحين.»

تُداري المجازفة، لعل في الفرجة بالعقل مراعاةً لمخاطر القلب، وتتظاهر بالاسترسال في التفكير: «وليد الركراكي يحظى بالثقة، حتى ولو كنا نحمله ما لا تحتمله الجبال، لقد استطاع أن يكسر السقف الزجاجي الذي وضعته كبريات الفرق الدولية في مونديال قطر، وهو أهل للثقة فيه مجددا. سيكون في الموعد، فاللاعبون يشكلون خلية واحدة، وتركيبة مغربية تجعل كل النجوم في يده، تركيبة مثل مأدبة بكل نكهات العالم: الإفريقية، العربية، الألمانية، الفرنسية، والإسبانية.

ماذا أفعل بعد ذلك؟

أفكر في الهواء القليل الذي يجول في دمي وينهكني، من قلب يخبط بخيوله قفصي الصدري، وأفكر في الحيوانات التي تنهك الحقيقة بضربات الهراء، وأقول لجاري الذي يتشكى من هجمات الآخرين، ومن الإعلان الرسمي عن القطيعة الرقمية: «أنت تقع في الفخ عندما تنسى أنهم يريدون فقط أن يعكّروا سلامة روحنا في الفرح، هم يدركون أن الذين جاؤوا منهم ونقلوا صورة جميلة عنا أحدثوا شرخًا في روايتهم، ويريدون أن يعود الشعب الشقيق إلى مربع الشك الأول، ويعيدون محرك الأحجيات الركيكة إلى النقطة الصفر. يريدون أن يردوا بما لا يُرى: كولسة، بيع وشراء، حكام مرتشون، صفقات وراء الظلام، على ما رآه شعبهم ونقله، حدائق وتنظيم وشعب طيب من رب كريم.. إنهم يريدون أن يستمر منطق الحرب، لا شيء غير ذلك.»

لكن كل هذه الخواطر تمر في ثوانٍ ويعود القلب إلى إِوِزِّه، يخبط صدري، قلبي عند رأس الكعبي، رأسي بين قدمي إبراهيم، قلبي في الزحام بين ماسينا واوسيمون لقمان، قلبي في يسرى الزلزولي... كيف تريدني أيها الطبيب ألا أتفرج بقلبي آاااه.

لا أقف كثيرا عند هجاء الحكم الذي لم يحتسب ضربة جزاء.

أقرر مع ذلك: سأحترم وصية الطبيب عند الضربات الترجيحية، سميتها الضربات التربيحية، لا أتحمل الأعطاب الكامنة في الأعصاب كلما وقف لاعب أمام الحارس، وتبادلا التحدي مثل فارسين يتبارزان بلا سيف ولا درع.

قلت: سأعلق مصير قلبي الآن بيد ياسين بونو، وأخرج من المقهى إلى هامشه، وأنصت إلى هتاف المحبين. أنا أعتقد بحدسي، لا بالعقل، أن كل كرة تذهب إلى يده كما يذهب الحمام إلى عشه، في ركن في البيت، في مجوف في الشجر، وهو عندما يفلح في رد الضربة، تكون الكرة قد غمزته «:هناك، هناك سنلتقي» وعندما لا يقفز، تكون الكرة عابرة إلى الأعلى، حذار، إذا لم يمسك الكرة، سيطول هذا الليل، ويزيد البرد، ويغادرنا الفرح إلى مناسبة وطنية أخرى، ولن تصلح أرجلنا للرقص، وقلوبنا للحب، وأكفنا للضراعة... للحظ يأتينا على شكل مشيئة إلهية.

وأنا الذي عادةً ما أعتبر أن للحظ قدما يخدع بها اللاعبون أيادي الحراس، وأن للحظ أحابيل وحيلًا تجعل أقدام النجوم تفشل في خداع الحراس...أصدق يدي بونو بإيمان الذي يتفرج بقلبه.

مع بونو تعلمنا أن نبدأ المباراة من آخرها، نضع بين يديه كل ما نملك قبل المباراة وما نملكه بعدها: المناخ النفسي، الطقس الروحي، صحة المرضى، جمالنا، أخلاقنا، هي نفسها عند الهزيمة وعند الفوز، نضع جغرافيات عديدة للعواطف، وهو يكون الأسد الوحيد من بين الأسود الذي يُوضع في قفص المرمى، وتطلق عليه الكرات رصاصة تلو رصاصة، وكل رصاصة تجاوزته أصابت قلوبنا. وعليه أن يظل حيا، حتى لا تموت الروح عند الباقي.

بونو، أفضل حارس مرمى في العالم، يتحول، بدون إرادته، إلى تمثال لكرة القدم، بيديه، ليست مفارقة، بل يكفي اليوم أن تضع قفازا ويدين في مواجهة عشرين قدما، لتعرف ميزان الذهب في أسطورة الحراسة على المرمى.

بعد الحظ، يعانقه كل من هزمهم في ضربات التسديد، كما لو أنه حجتهم في الرد على الغاضبين من أنصارهم، هذا بونو، يجوز الضياع أمامه، والخسارة، ويجوز الوهن والركاكة، وتجوز معه الهزيمة.

في النهاية، عليه تُعرض أمانة لم يحملها عشرون لاعبًا، وأمانة ينوء تحتها طاقم كامل وملعب من آخر الصيحات، ويظل باسما منتصرا.

سيحمله اللاعبون الآخرون، ويرفعون جسده في الهواء بعد أن خفّ الحمل، وساعدوه على السمو، وختموا به جهدهم ومعاركهم: «هيا طر، أعلى من النسور».

تكون لي اليقين أن الكرات طائرة في الهواء، لا يمسكها إلا هو، أحيانًا يخيل إليك أن لضحكته تأثيرا سحريا عليها، وأنه ربما يمسك بما يعجز الآخرون عن الإمساك به، لا شك أن نظرته إلى الكرات تختلف عنا، نحن. يستطيع أن يرى ما يدور في ذهن اللاعب، وما تنوي الكرة القيام به في شباكه.

في الأسطورة القديمة، تُحوِّل يد «ميداس» كل ما يلمسه إلى ذهب؛ بونو هو الأسطورة المغربية الجديدة.

بكل القناعة والتواضع والطفولة، يضحك ويصير بطلًا، يضحك ويصير أمة...والكرة التي يلمسها يتبعها الذهب.