في الثامن عشر من يناير 2026، أُسدل الستار على فعاليات الدورة الخامسة والثلاثين لكأس أمم إفريقيا التي احتضنها المغرب، غير أن الستار ذاته انفتح على واحدة من أكثر الوقائع غرابة وإثارة للجدل في تاريخ كرة القدم الإفريقية، بل والعالمية.
فبينما كانت بعض الأطراف المشاركة في المنافسات تتهم المغرب بمحاولة الظفر بالكأس الإفريقية بوسائل ملتوية، وتلمح إلى "الكولسة" والتلاعب، جاءت وقائع المباراة النهائية التي جمعت المغرب بالسنغال لتقلب المعادلة رأسا على عقب، وتكشف أن المغرب لم يكن الجلاد، بل الضحية، ضحية مخطط محكم استهدف الضغط عليه وابتزازه وتركيعه. فكيف جرت الأحداث؟
منذ البداية، راهن المغرب على إنجاح النسخة 35 من كأس أمم إفريقيا، واعتبرها بمثابة اختبار عملي واستراتيجي في أفق استضافة كأس العالم 2030. وقد نجح في هذا الرهان بامتياز، بشهادة أغلب المتابعين الدوليين، سواء من حيث جودة الملاعب، أو تطور البنيات التحتية، أو نجاعة التنظيم الأمني، أو حتى الإشعاع السياحي، مقدما نسخة غير مسبوقة في تاريخ القارة الإفريقية.
غير أن هذا النجاح لم يمر دون أن يثير حفيظة خصومه، الذين ينظرون إلى الرياضة بمنظار سياسي ضيق، لا كمنافسة رياضية شريفة. ومع خروج بعض المنتخبات من التصفيات، ارتفعت أصوات التشكيك في مصداقية ونجاح هذه الدورة. الجزائر تهاجم، مدرب مصر يتذمر، ومدرب السنغال ينفخ في نار التوتر.
في المباراة النهائية، لم يكن هدف المغرب محصورا فقط في التتويج بالكأس، بل كان هناك هدف آخر لا يقل أهمية، وهو الحفاظ على صورة التنظيم المحكم لهذا العرس القاري حتى آخر دقيقة.
وفي اللحظات الحاسمة، تحديدا في الدقيقة الأخيرة من الزمن القانوني، وفي مباراة اتسمت بالتكافؤ بين المنتخبين، ارتكب لاعب سنغالي خطأ واضحا داخل مربع العمليات، استوجب، وفق كل قوانين كرة القدم، احتساب ركلة جزاء لصالح المنتخب المغربي.
لكن عند هذه النقطة تحديدا، قرر مدرب السنغال، بابي تياو، إخراج البطولة عن مسارها الطبيعي. إذ أمر لاعبيه بمغادرة أرضية الملعب، فاستجابوا له، في مشهد بدا وكأنه عملية اختطاف جماعي، أشبه بمليشيا مسلحة سيطرت على قطار وشرعت في تهديد ركابه وابتزازهم مقابل فدية.
وبشهادة رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، ورئيس الاتحاد الإفريقي باتريس موتسيبي، اللذين حضرا النهائي، فإن تصرف مدرب السنغال كان غير قانوني، ومناف تماما للوائح المنظمة لكرة القدم، خصوصا بعدما عمد إلى تحريض الجماهير السنغالية على اقتحام الملعب، ما أدى إلى أعمال شغب وفوضى، خلفت إصابات بالعشرات في صفوف الجماهير وقوات الأمن.
مدرب السنغال لم يخف رفضه الامتثال لقرار الحكم ولا لنتائج تقنية الفيديو (VAR)، بل صعد من تمرده، مهددا بنسف المباراة برمتها، في تنسيق واضح مع خصوم المغرب، وبدعم من مجموعات من المشاغبين.
وخارج أسوار ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، وعلى بعد نحو ثلاثة آلاف كيلومتر، شهدت العاصمة السنغالية دكار أحداثا لا تقل خطورة، حيث أقدم مواطنون سنغاليون على احتجاز مواطنين مغاربة وتهديدهم بالتصفية في حال فوز المنتخب المغربي. كما تعرضت محلات تجارية يملكها مغاربة للتخريب والنهب، وسادت أجواء احتقان وعداء ضد كل ما هو مغربي.
لم تعد المسألة مجرد مباراة كرة قدم، ولم يعد الكأس مجرد لقب رياضي. فقد خرج الوضع عن السيطرة، ووضعت كل جهود المغرب التنظيمية على المحك. ففي تلك اللحظات العصيبة، أمسك بابي تياو بالفريق المغربي رهينة لمدة عشر دقائق كاملة، واضعا إياه أمام خيارين أحلاهما مر:
* إما الانسحاب من المباراة، وما يرافق ذلك من تفجير جماهيري ونسف شامل لنجاح الدورة.
* أو التراجع عن تنفيذ ركلة الجزاء، وترك الكأس تذهب إلى السنغال.
وبعد عشر دقائق من "الاحتجاز"، أسفرت تدخلات الوسطاء عن حل ثالث تمثل في احتساب ركلة جزاء محسومة لصالح المنتخب السنغالي، حفاظا على سلامة الجماهير، وعلى نجاح المغرب التنظيمي، وتفاديا لانزلاق الوضع نحو ما لا تحمد عقباه.
كان بإمكان الاتحاد الإفريقي لكرة القدم إنهاء المباراة قانونيا لصالح المغرب بعد انسحاب المنتخب السنغالي، ومنحه الكأس، غير أن ذلك كان سيجر تبعات خطيرة، كان خصوم المغرب سيستغلونها لتشويه صورته، واتهامه بالفوز في ظروف مشبوهة، في سابقة تاريخية خطيرة.
من جهته، قبل المنتخب المغربي الاستمرار في المباراة، وخاض الأشواط الإضافية وهو مثقل بالإحباط والظلم، ورغم ذلك لم ينهزم إلا بهدف واحد، هدف ما كان ليحتسب لو توفر تحكيم عادل، إذ جاء إثر إسقاط متعمد للاعب مغربي داخل مربع العمليات دون أن يلتفت إليه أحد.
في النهاية، توجت السنغال بكأس وصفت منذ لحظة تسليمها بأنها "ملطخة بدم العار"، وتحولت مباشرة بعد نهاية المباراة إلى محور نقاش واسع داخل الأوساط الكروية الرسمية، وفي البرامج الرياضية الدولية، تحت عنوان عريض "السنغال لم تفز بكأس أمم إفريقيا… بل سرقته".
ولم يحتفل بهذا التتويج، الذي رفض رئيس الفيفا نفسه تسليمه، سوى خصوم المغرب، أولئك الذين يؤرقهم نجاحه، ويستفزهم صبره.
طابت أوقاتكم لا أوقاتهم






