رأي

عبد الدين حمروش: المرض الرومانسي

شاك إلى البحر اضطراب خواطري/// فيجيبني برياحه الهوجاء

ثاو على صخر أصم وليت لي/// قلبا كهذي الصخرة الصماء

يا للغروب وما به من عبرة /// للمستهام وعبرة للرائي

ولقد ذكرتك والنهار مودع /// والقلب بين مهابة ورجاء

وكأنني آنست يومي زائلا /// فرأيت في المرآة كيف مسائي


قال صاحبي منبها: أنصت إلى الشعر الحقيقي. ثم أردف طلبه التنبيهي بالسؤال التالي: لماذا لم يعد هناك شعر مثل هذا؟!


الأبيات من قصيدة "المساء" للشاعر مطران خليل مطران. أعدها واحدة من عيون الشعر الرومانسي العربي. لقد استطاع مطران إحداث نقلة لامرئية، من النفس التقليدي الصارم المغلق (ولقد ذكرتك والرماح نواهل) إلى النفس الرومانسي الجديد، قبل أن تتبلور أكثر في نصوص الشعراء اللاحقين. أذكر أن أساتذتنا الأفاضل في الثانوي كانوا يحذروننا من "إسقاط" "المساء" على معظم شعر مطران.


استمر النفس الرومانسي لدى الموجة الأولى من شعراء التجديد (السياب مثلا). غير أن الرومانسية ستصير "مرضا" بعد ذلك، في ظل انكشاف صريح للمباشر، في تفاصيله العينية بشكل عام (اجتماعيا، سياسيا، إلخ). غير أنني، وعلى الرغم من علو كعب كثير من الشعراء العرب في الرومانسية، أظل أميل إلى مطران، وبالتحديد إلى قصيدته هاته.


ما يلح علي طرحه، كلما أعدت قراءة "المساء"، هو السؤال: لماذا لم يقل مطران في بداية بيته الثاني: "جاث على صخر.." بدل "ثاو".؟!! أليس "الجثو" (وليس الثواء مع ما فيه من خصيصة المكث/ الإقامة على الحال) هو الأكثر تناسبا مع المنطق، أي الحالة الطبيعية في الواقع؟ بكل بساطة، إنه المرض الرومانسي: مرض "الداخل" وليس مرض "الخارج"، مرض النفس وليس مرض الأطراف!