مجتمع وحوداث

تَعامُلٌ غير ذكي

أحمد الدافري (إعلامي)

لم ينم الناس أمس في مدينة القصر الكبير.

لا أعرف من هذا العبقري الذي فكر في أن يأمر شخصا بالتنقل على متن سيارة بين عدد من الأحياء الواقعة على طرفي الطريق الوطنية رقم 2 الرابطة بين القصر الكبير والعرائش، وهو يحمل بوقا، ويطلب من الساكنة الخروج من بيوتهم، والالتحاق بمركزين للمأوى، واحد في الثانوية المحمدية، والٱخر في ثانوية وادي المخازن، ومخبرا  إياهم بأن المياه التي ستغمر هذه الأحياء ليلا ستصل إلى خمسة أمتار.

خمسة أمتار؟

هذا يعني أنه ليس فيضانا.

بل هو طوفان.

 إخوتي الذين يقطنون بحي أطاع الله، على بعد أمتار من الطريق الوطنية، اتصلوا بي وهم قلقون، خصوصا أن بينهم  شقيقتي المريضة والمصابة بشلل كلي، وهي طريحة الفراش بشكل دائم، بعد أن أجرت عمليتين جراحيتين، وهي تخضع لرعاية طبية تحت مراقبة ممرضة تزورها في البيت. 

كيف السبيل لحملها ونقلها من الطابق السفلي إلى الطابق الثانى من البيت؟

فخمسة أمتار من ارتفاع المياه يعني أن الطابق الأول سيغرق.

نعم.

 التواصل مع الساكنة لتنبيههم بخطر فيضان الوادي على المدينة بسبب نشرة جوية إنذارية، وإخبارههم بأن السلطات قد هيأت أماكن للمأوى هو أمر محمود.

لكن زرع الرعب في الناس بإخبارهم أن مستوى المياه التي ستغمر مساكنهم ستصل إلى خمسة أمتار، هو تصرف أرعن غير ذكي بالمرة.

الهلع الذي تسبب فيه صاحب البوق لساكنة الأحياء المعنية، جعل عددا كثيرا منهم يخرجون هاربين من المدينة في سيارات عبر الطريق الوطنية رقم 1، وهي طريق تربط بين القصر الكبير وجماعة سيدي اليمني في اتجاه مدينة أصيلة مرورا بعدد من الدواوير، بحكم أن الطريق الوطنية رقم 2 الرئيسية مقطوعة من الجهتين، الجهة التي تصل المدينة بالعرائش، والجهة التي تصلها بالرباط، لأن هذه الطريق تمر من كل جهة على قنطرة فوق  وادي لوكوس الذي يفيض بسبب غزارة الأمطار، وبسبب تفريغ مياه سد وادي المخازن فيه، حين تتجاوز حقينة السد حجم المياه التي يستطيع تخزينها.

هروب الناس من المدينة أمس ليلا، وتوجههم  نحو مناطق أخرى،  كان مصحوبا برعب انتشر في صفوف الذين لم تكن لديهم القدرة على الهروب، والذين سلموا أرواحهم للباري تعالى، لأنهم لم يستوعبوا  كيف يمكن أن تؤوي أقسام مؤسستين للتعليم الثانوي العدد الكبير من ساكنة كل الأحياء المهددة بفيضان قيل لهم في بوق بأنه سيصل فيه ارتفاع الماء إلى خمسة أمتار.

بعد ليلة بيضاء، مليئة بالرعب والهواجس، لم يذق فيها طعم النوم ولا الراحة عدد كبير من ساكنة المدينة، ومنهم أفراد أسرتي، أتى الصباح.

أتى الصباح دون أن يتم تسجيل أي فيضان للوادي على الأحياء التي تم إخبار ساكنتها بمغادرة مساكنهم.

 وما زال ولله الحمد الوضع عاديا إلى الٱن.

حسب المعلومات الٱتية من المدينة في منتصف نهار اليوم، كل المحلات مفتوحة، والصيدليات تعمل، والمقاهي تشتغل، والحركة عادية في منطقة حي الديوان حيث توجد قيسارية الغطايين وقيسارية العطارين، وهو الحي الذي كان قد تعرض لفيضان خلال اليومين الماضيين.

الحمد لله.

الحذر ينبغي أن يبقى وهو ضروري.

لكن ما هو غير معروف لحد الٱن، هو كيف عرف هذا المسؤول الذكي جدا الذي كان يتكلم في البوق، والذي جعل الناس يهربون من المدينة، بأن مياه فيضان الوادي ستصل إلى خمسة أمتار.

إنه ذكاء تواصلي حقيقي، لكنه أقل بكثير من ذكاء الصبيان. 

وهذا ما كان.