مجتمع وحوداث

تكريم الوسيط لأقوضاض لن يكبل القضاء

محمد بنعزوز

يصعب على أي متتبع لتدبير وزارة التربية الوطنية، أن يعثر على سبب وجيه، يجعل من تكريم الحسين قوضاض المفتش العام لوزارة التربية الوطنية، حدثا عاديا، في مسيرة موظف عمومي، حظي بالتفاتة، مؤسسة دستورية ارتأت في اختيار شخصية المكرم، تشجيعا على إشاعة السلوك الوظيفي القويم، وتكريس لثقافة الاعتراف والامتنان، لمن أحسن صنعا في مساره المهني.

وإذا علمنا أن المكرم، هو الحسين قوضاض، المفتش العام بوزارة التربية الوطنية، منذ أكثر من عشرين سنة، وأن تولي هذه المهمة طيلة العقدين الماضين، رافقته أحداث كبرى، ووقائع ليست بالهينة، كما لطخته اتهامات يفترض أن يفصل فيها القضاء، ندرك أن التكريم انحرف عن أهدافه النبيلة، وأن من يقف خلفه، استدرج لخدمة المكرم، ولا أعتقد أن حسن طارق يمكن أن تنطلي عليه هذه المناورة.

التكريم أصبح واقعا، وهو لا ينفي بأي حال من الأحوال، مسارا موسوما بثقوب سوداء، لواحد من أكثر رجالات وزارة التربية الوطنية في حقبة تميزت بتوالي طرح مشاريع الإصلاح، وبرصد اعتمادات مالية استثنائية، تبخرت في غالبيتها، دون تحقيق المراد من مشاريع الإصلاح.

من المفروض أن يترتب عن فشل مشاريع الإصلاح، مساءلة كبار أطر الوزارة، وفي المقام الأول الجهاز الرقابي الأعلى في الوزارة، وهو جهاز المفتشية العامة الذي حوله أقوضاض طيلة عقدين، إلى عصى للتخويف، لا أداة للتقويم، ومحاصرة نزيف تبديد الملايير الطائلة.

المثير في هذا التكريم، هو التزامن المرتب، مع فتح القضاء لملف المخطط الاستعجالي، باستدعاء بعض المسؤولين السابقين، وهو الأمر الذي يمهد لتوسيع دائرة المساءلة، باستحضار مفهوم المسؤولية الشامل، الذي يتعدى محاسبة المتورطين المباشرين، إلى كل المسؤولين المفروض فيه تعقب صرف اعتمادات المخطط الاستعجالي، طيلة ثلاث سنوات، أفضت إلى تبخر 4300 مليار سنتيم.

من الناحية العملية، وإذا ذهب القضاء إلى حيث يفترض أن يصل في ترتيب الجزاءات على كل المتورطين، المساهمين، المتواطئين، والمستفيدين من تبديد أموال المخطط الاستعجالي، فإن المفتش العام، بصفته الوظيفية، معني بتحمل جزء من المسؤولية عما حدث، حتى لو افترضنا أن ذمة الرجل نظيفة، وهو أمر يقرر فيه القضاء، لكن مسؤوليته ثابتة، لا ينفيها، إلا قيامه بما يلزم تنفيذا لمهام المفتشية العامة، في رصد الاختلالات والتنبيه إليه، والتصدي لكل من يتمادى في تبديد المال العام.

ماذا أعد الحسين قوضاض من تقارير، وما مضمون تلك التقارير، وأين انتهت تلك التقارير، وأين تبدأ مسؤولية المفتشية العامة التي يتولى مسؤوليتها، وأين ينتهي، وهل قام هذا المسؤول السامي، بكل ما يلزم لمنع حدوث ما وقع بشكل ممنهج ومتواتر لسنوات، والأكثر من ذلك، كيف نجح المفتش العام في الحفاظ على منصبه، والانضمام لفريق الإصلاح الجديد، ومن ثمة وجوده اليوم في الجهة المقابلة لإنفاذ القانون، بما يكرس الإفلات من العقاب، كنتيجة معاكسة لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

لا أحد يقبل، أو يستسيغ، أن حسن طارق الأستاذ الجامعي القريب بحسه السياسي والأكاديمي من قطاع التعليم، وما يعتريه من اختلالات، وما يتخبط فيه من تراكمات، غير ملم بملف المخطط الاستعجالي، ولا معرفة سابقة له بشخص المكرم، ولا إدراك له بحجم العبث الذي أجهض أكبر مخطط إصلاحي كبير من حجم المخطط الاستعجالي.

تكريم مؤسسة الوسيط لأقوضاض لا يمثل صك براءة، ولا ممسحة سحرية لماضي، لا سبيل للتخلص منه، إلا بإعمال المساءلة القانونية، بما يضمن عدم تكرار ما حدث لقطاع يراهن عليه بلد بأكمله لتحقيق الإقلاع المنشود.