سياسة واقتصاد

الفعل السياسي في زمن الانتخابات.. سؤال المعنى والوظيفة

المصطفى المريزق (فاعل مدني ومؤسس الطريق الرابع)

في كل موسم انتخابي يطفو على السطح سؤال جوهري يتعلق بطبيعة الفعل السياسي في سياقنا الوطني. ما نلاحظه، في خصوصية تجربتنا المغربية، هو نوع من الانفصال بين الفعل الحزبي والفعل الانتخابي. فليس دائمًا العمل الحزبي المتراكم هو الذي يتوّج بقيادة الاستحقاق الانتخابي، بل قد يتقدّم المشهد مرشحون لا تربطهم بالحزب علاقة نضالية سابقة، ولا مسار تنظيمي واضح، ولا انغراس فعلي في توجهاته وبرامجه ورؤيته للسياسات العمومية.

هذا الواقع يفتح نقاشًا هادئًا ومسؤولًا حول جدوى العمل الحزبي ذاته:

ما معنى الحزب إذا لم يكن فضاءً للتأطير السياسي، وصناعة النخب، وبناء التراكم التنظيمي؟

وما قيمة البرامج إن لم تكن مرجعية فعلية للترشيح والتمثيل؟

إن الإشكال لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بوظيفة الوساطة السياسية ذاتها. حين تتحول الانتخابات إلى سباق عددي محض، تُقاس فيه القوة بعدد الأصوات فقط، بمعزل عن العمق الفكري والانغراس المجتمعي، فإننا نكون أمام مقاربة كمية تختزل التعددية في بعدها الإحصائي، لا في بعدها القيمي والبرنامجي.

إن الانتخابات المقبلة تمثل فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها فعلًا مرتبطًا بالقضايا الكبرى للمجتمع، لا مجرد تنافس حول المواقع. إنها مناسبة للقطع مع منطق “التدبير الانتخابي” لصالح منطق “البناء السياسي”، القائم على وضوح الرؤية، وتماسك المشروع، والالتزام بقضايا الناس في عمقها الاجتماعي والمجالي.

ومن هذا المنطلق، ننطلق من رؤية مواطنة نعتبرها طريقًا رابعًا، تجعل من مناهضة التفاوت الاجتماعي قضية مجتمعية، ومدخلًا أساسيًا لتحقيق العدالة الاجتماعية، ومن العدالة الترابية والعدالة الضريبية أساسًا لبناء مغرب الجهات، مغرب الإنصاف وتكافؤ الفرص. وهي الرؤية التي طُرحت منذ انطلاقة حركة “قادمون وقادرون – حركة مغرب المستقبل”، باعتبارها مساهمة في النقاش العمومي، لا ادعاءً لامتلاك الحقيقة.

قد وُصفت هذه الرؤية أحيانًا بأوصاف متسرعة ( معتنا بالشعبوية)، وشُبّهت بتجارب أخرى في سياقات مختلفة، مثل تجربة بوديموس في إسبانيا، لكن لكل مجتمع خصوصيته، ولكل مسار شروطه التاريخية والسياسية. والمطلوب ليس استنساخ التجارب، بل إنتاج بدائل من داخل واقعنا، تستجيب لحاجات مجتمعنا وتحدياته. 

إننا ندعو إلى مصارحة جماعية، وإلى نقاش هادئ حول معنى الفعل السياسي، حتى لا تبقى الانتخابات محطة عابرة، بل تتحول إلى لحظة تأسيس لمرحلة جديدة، يكون فيها العمل الحزبي مدرسة للمواطنة، ومجالًا لإنتاج الكفاءات، وجسرًا حقيقيًا بين المجتمع والدولة.