(في نقد منهجية إستشارة القضاة وترافعا لأجل تنصيب مجلس الدولة )
بصرف النظر عن القاعدة المأثورة بأنه لا يعقل أن يشرع المرء لنفسه ؛ فإنه بنفس القدر لا يمكن تصور مسافة الحياد ونحن نحدد قواعد لعبة نحن متنافسين فيها ؛ ولذلك سيظل إسهام القضاة في العملية التشريعية محلَّ سجالٍ عميق، لا لكونه يمسّ جوهر اختصاصهم القضائي فحسب، بل لأنه يتجاوز نطاق الفصل في النزاعات إلى فضاء صناعة القاعدة القانونية ذاتها. فالأمر لا يتعلق هنا بممارسة وظيفة قضائية في معناها الضيق، وإنما بالانخراط – ولو تحت مسمى الاستشارة – في تشكيل السياسة التشريعية التي ستؤطر لاحقًا عمل القضاء نفسه.
صحيح أن القاضي، بحكم تكوينه وخبرته العملية، يمتلك معرفة دقيقة باختلالات النصوص ومآلات تطبيقها، وأن تقديم الرأي الفني يمكن أن يسهم في تحسين جودة التشريع. غير أن الإشكال لا يكمن في مبدأ المشورة، بل في طبيعة المجال الذي تُقدَّم فيه: مجال تتقاطع فيه الاعتبارات التقنية بالخيارات السياسية، وتتداخل فيه السياسة القضائية بصناعة القرار الأمني والتشريعي والسياسي. ففي هذا الحيز المركب، يصعب رسم حدود فاصلة بين “الاستشارة القانونية” بوصفها إبداءً لرأي مهني محايد، وبين المساهمة الفعلية في توجيه السياسة التشريعية وفق تمثلات مؤسسية وأخلاقيات مهنية مخصوصة.
ذلك أن القاضي لا يتحرك في فراغ معياري؛ فهو محكوم بثقافة قضائية معينة، وبتمثلات حول النظام العام، والاستقرار، والأمن القانوني، وأحيانًا الأمن بمعناه المؤسساتي الواسع. وعندما تُسقط هذه التمثلات على لحظة التشريع، فإنها قد تُنتج نصوصًا تعكس منطق الضبط أكثر مما تعكس منطق التوازن بين السلط، أو تُغَلِّب اعتبارات الفعالية الإجرائية على ضمانات الحقوق والحريات.
لذا جاز التعبير عن التحفظ ، مادام الأمر لا يتجاوز كونه احترازًا مؤسساتيًا من احتمال تراجع منسوب التجرد والحياد حين ينتقل القاضي من موقع التحكيم والرقابة إلى موقع الإسهام في صناعة القاعدة القانونية ذاتها. فالتحفّظ هنا ليس تشكيكًا في الأشخاص، بل تنبيهًا إلى هشاشة التوازن الوظيفي كلما تداخلت مواقع الصياغة والمراقبة، بما قد يمس بصورة القضاء وشرعية تدخله لاحقًا.
و هنا يكفي القيام بقراءة افتحاصية للنصوص الصادرة في بعض المحطات المفصلية ليتبيّن أن “البصمة” ليست محايدة كما يُفترض، بل مؤطرة بتمثلات وأفكار مسبقة تتصل بوظيفة الضبط وبفهم معيّن لأولويات الدولة. ولا يُقرأ هذا المعطى بوصفه انحرافًا شخصيًا، بل باعتباره نتيجة طبيعية لانخراط فاعل مؤسساتي في لحظة صناعة القاعدة القانونية، وهو محكوم بمرجعيته المهنية وبأفقه المؤسسي.
غير أن الإشكال يطرح حين تتحول هذه المرجعية – بحكم وزنها الرمزي ومكانتها الدستورية – إلى مرجعية شبه حصرية في توجيه السياسة التشريعية.
من هنا يتغذى الجدل: هل نحن أمام مساهمة تقنية لتحسين النصوص، أم أمام انتقال ناعم للقاضي من موقع تطبيق القانون إلى موقع التأثير في صياغته؟ وهل يظل القاضي، في هذه الحالة، بمنأى عن أي التباس قد يمسّ صورة حياده حين يُعرض عليه النص ذاته للفصل في دستوريته أو في مشروعية تطبيقه؟.
إن السؤال في جوهره لا يتعلق بتخوين النوايا، بل بضبط الحدود الفاصلة بين السلط، وبحماية الرأسمال الرمزي للقضاء من أي تداخل قد يضعف استقلاله الموضوعي. وكلما اتسعت منطقة التماس بين الوظيفة القضائية والوظيفة التشريعية، ازدادت الحاجة إلى إعادة هندسة وظيفة الاستشارة القانونية داخل الدولة الدستورية.
السياق لا يبرر رفع السقف إلى منطق المخاصمة، بل يقتضي التعبير عن تحفّظ منهجي هادئ تجاه إشراك القضاة في العملية التشريعية. فالإشكال ليس في مكانة القضاء ولا في كفاءة رجاله ونسائه، بل في طبيعة الدور داخل هندسة الفصل بين السلط.
تمكين القضاة من المساهمة المباشرة في المخطط التشريعي الحكومي قد يخلّ بالتوازن الوظيفي، ويعرّض استقلالهم ذاته لشبهة التداخل بين من يصوغ القاعدة ومن يراقب مشروعيتها. لذلك فإن التحفّظ هنا هو دفاع عن صفاء الوظيفة القضائية وصون لدمقرطة القرار، لا تجريح في المؤسسة ولا مخاصمة لها.
في هذا السياق، يبرز التفكير في تنصيب مجلس للدولة كخيار مؤسسي جدير بالنقاش العمومي. فمجلس الدولة، في التجارب المقارنة، يضطلع بوظيفة استشارية أصيلة إلى جانب اختصاصه القضائي الإداري، ويُعد المستشار القانوني للدولة ومؤسساتها في مشاريع القوانين والنصوص التنظيمية. وبمقتضى تأطير دستوري واضح، يقدم رأيًا معللًا يشكل مادة خام تقنية ومنهجية تغترف منها عناصر الاستشارة، ويعتمدها المشرع – ضمن سلطته التقديرية – في سن التشريع.
إن إسناد وظيفة الاستشارة التشريعية إلى مؤسسة قائمة بذاتها، محددة الاختصاص، من شأنه أن يحقق جملة من المكاسب:
تحصين استقلال القضاء العادي والدستوري من أي التباس ناتج عن مشاركته في صياغة نصوص سيُطلب منه لاحقًا تطبيقها أو مراقبة دستوريتها؛
تجويد العملية التشريعية عبر رأي مؤسسي مُعلل ومنشور، يرسخ الشفافية ويعزز جودة التشريع؛
وترشيد العلاقة بين السياسة القضائية والسياسة التشريعية، عبر نقل الاستشارة إلى فضاء مؤسسي مهيكل بدل بقائها في منطقة رمادية تتداخل فيها الأدوار.
بهذا المعنى، لا يكون مجلس الدولة منافسًا للسلطة التشريعية ولا وصيًا عليها، بل فاعلًا استشاريًا يوفر أرضية تقنية مؤطرة، تُمكِّن البرلمان والحكومة من سن تشريع أكثر اتساقًا وانسجامًا مع المنظومة القانونية، دون المساس بمبدأ فصل السلط.
إن النقاش إذن ينبغي أن يرتقي من سؤال جواز المشورة إلى سؤال تنظيمها: كيف نؤطر وظيفة الاستشارة القانونية بما يحفظ حياد القضاء، ويجود التشريع، ويمنع إعادة إنتاج تمثلات أحادية داخل النص القانوني؟ هنا تحديدًا يتقاطع سؤال الاستقلال مع سؤال الحكامة، ويتحول التفكير في مجلس الدولة من مطلب تقني إلى خيار استراتيجي في بناء توازن مؤسساتي أكثر وضوحًا ونضجًا داخل الدولة الدستورية.
ومن جهة ثانية ، وبالموازاة فإن هذه اللحظة ” الديموقراطية ” تستحق إثارة مفارقة بيداغوجية لا من باب الطعن في النوايا، بل من زاوية مساءلة اتساق الخطاب ؛ فبعض الشخصيات السياسية تعلن مبادرة وساطة في ملف التشريع المنظم لمهنة المحاماة، مقدِّمة نفسها كجسر بين الحكومة وهيئات الدفاع، ومؤطرة تدخلها باعتباره مساهمة في التهدئة وضبط النقاش التشريعي. وهي مبادرة يمكن التنويه بها من حيث المبدأ إذا احترمت شروط الحياد ووضوح الموقع ؛ غير أن المفارقة تظهر حين يقترن هذا الدور بخطابٍ موازٍ يُصرّ على نفي أي دور للقضاة الملحقين بوزارة العدل في صناعة النص، وكأن التشريع يولد فجأة داخل البرلمان أو يُختزل في لحظة التصويت.
صحيح أن الاختصاص الدستوري بالتشريع محدد وواضح، لكن النصوص لا تُصاغ في فراغ. فهي تمر عبر مسارات إعداد وصياغة واستشارة، تتداخل فيها الخبرة التقنية والرؤية السياسية داخل الجهاز التنفيذي.
والملحقون القضائيون، بحكم موقعهم، يساهمون موضوعيًا في هذه المرحلة التحضيرية، سواء عبر الصياغة أو التأطير المفاهيمي. وهنا تتجلى المفارقة:
كيف نعترف بتعقيد صناعة التشريع حين نؤدي دور الوسيط، ثم نبسّطها إلى حد الإنكار حين يتعلق الأمر بتحديد مواقع التأثير؟.
الإشكال ليس قانونيًا بقدر ما هو بيداغوجي ومنهجي. فالاتساق في الخطاب شرط للشرعية، والوضوح في تحديد الأدوار شرط للثقة. أما إنكار التأثير الواقعي بدعوى حماية مبدأ فصل السلط، فقد يحول الوساطة نفسها إلى سردية سياسية بدل أن تكون أداةً لضبط التوازن بين استقلال المحاماة، وحياد القضاء، ومسؤولية الحكومة في اقتراح التشريع.






