هناك وهم قد يصل غرور ساكنة بعض العواصم، وبالمثال يتضح المقال كما يقال؛ فبمجرد أن يسكن بعضهم ضواحي باريس، يمكنهم الادعاء أنهم مثقفون أو يهتمون بالثقافة أكثر من غيرهم، وبمجرد أن يسكنوا لندن يمكنهم الادعاء بأنهم رجال أعمال، أو في الطريق لذلك. وعندنا بمجرد السكن في الرباط مع ربطة عنق، يمكن لهم الادعاء بأنهم يفهمون في السياسة، خاصة إذا كانوا يتقنون بعض الحركات باليد والملامح والجسد عموماً.
يحاولون أن يقولوا لساكنة المغرب خارج الرباط: "انظروا كم نحن مبهرون!"، لأن في الرباط يعرفونهم؛ يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ولهم عصي يتوكؤون عليها ويقضون بها مآرب أخرى.
حركات التمثيل أثناء الحديث في "السياسة وما يحوم حولها" هي من الدروس الأولى في التواصل الجسدي، يتدرب عليها الكثير داخل الرباط بعدما يحفظون عن ظهر قلب بعض المصطلحات "الواعرة" وبعض الجمل والمقولات من أجل المشهد والأثاث؛ يذكرون بعض الأسماء ربما لم يتعدَّ الأمر التقاط صورة معهم.
(بين قوسين: تذكرت بعد مرور السنين تجربة من مجال تخصصي، كيف كنا منشغلين في المؤتمرات بالإنصات والأسئلة، وكان أحدهم يأتي خصيصاً ليأخذ الصور مع علماء في تخصصات من الرياضيات، بعد ذلك تبين الآن وبعد التقاعد أنه يخبر الآخرين بأنه كانت له نقاشات علمية عميقة معهم).
أقول لهؤلاء: يمكن أن تتمتعوا بهذا الفيديو في التكوين على الهدوء أثناء الحديث في السياسة، فهو يجمع بين روعة التعبير وشدة التلخيص والتركيز، ودهاء العبارات، وحمولة المضامين، مع الاعتماد على الحجاج والتفكير النقدي. والغاية من الحوار هي الإقناع أو الإنصات ومعرفة رأي الآخر وليس الصخب.
السياسة حرص شديد على الدفاع عن القناعات مع الهدوء في الحركات ودون انفعال؛ هؤلاء المشاركون في النقاش مع الرئيس لم ينسوا جميعاً الابتسامة ولو عند الاختلاف.
لقد كنت ممن يتمتع عند مشاهدة القنوات عن معنى الحديث في السياسة، أما الآن عندنا فهي فرجة التهريج في الكثير مما يقال تحت عنوان "النقاش في السياسة"، خاصة حين يحضر أصناف من المشاركين بين الاسترزاق والابتزاز والتموقع وبعث مقتطفات من السير الذاتية وربما مؤهلات أخرى...
التمثيل الغبي ووهم الفهم في السياسة مرض يستوجب اليقظة المبكرة قبل تضخم الأنا والغرق في الغرور.
هذا الفيديو نموذج الحوار في السياسة من كل الأطراف المشاركة، وبداية من الإعلامي الصحفي الذي أدار الجلسة.






