في لحظة دبلوماسية دقيقة تتطلب من القادة السياسيين الوطنيين أقصى درجات الرصانة والاصطفاف خلف الثوابت السيادية، اختار عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، الخروج بفيديو يغلب عليه الارتجال السياسي في التعاطي مع مبادرة سيادية وعليا أعلن عنها لسان وزير الخارجية ناصر بوريطة.
إن قراءة متأنية في مضمون كلمة بنكيران تكشف عن خلط منهجي بين دور رجل الدولة ومنطق الزعيم الحزبي، وهو ما أوقعه في سوء تقدير وهفوات بنيوية:
1- أخطأ بنكيران حين خاطب وزير الخارجية كطرف سياسي، متجاهلاً أن ناصر بوريطة ينفذ سياسة خارجية تقع ضمن ما يعرف بأنه المجال المحفوظ لجلالة الملك، وهو ما يجعل النقد الموجه للمبادرة نقداً مباشراً لتوجهات الدولة السيادية.
2- سقط بنكيران في فخ التفسير المغرض حين حصر برنامج مكافحة خطاب الكراهية في محاولة إقناع الفلسطينيين بالإقلاع عن معاداة الإسرائيليين، وهو تأويل يفتقر للسند الواقعي ويختزل استراتيجية دولية ومسار مغربي مشرف في قراءة ضيقة.
3. حاول بنكيران عزل المغرب عن عقيدته القيمية في مجال الدعوة للتعايش، فمكافحة خطاب الكراهية هي التزام كوني للمملكة المغربية منذ عقود، والاعتراض عليها يضع الحزب في مواجهة مع قيم التسامح والتعايش التي لطالما كانت العلامة المسجلة للدبلوماسية المغربية تاريخياً.
4- كلام بنكيران أوقعه في التناقض بين التوقير المعلن والتشكيك المستبطن، فقد ادعى رئيس الحكومة الأسبق توقير عضوية المغرب في مجلس ترامب للسلام لكونها جاءت بتعليمات ملكية، لكنه في نفس الوقت شكك في الأدوات التنفيذية برنامج التسامح التي تخدم هذا التوجه، مما يضعنا أمام ازدواجية في الخطاب يأخذ منها المؤمن والشيطان.
5. من هفوات بنكيران أنه رهن القرار السيادي المغربي بخصوص مبادئ التسامح بسلوك الطرف الآخر (إسرائيل)، وهو منطق يفرغ المبادرات السيادية من قوتها الأخلاقية، فالمغرب يطلق برامجه انطلاقاً من قيمه الخاصة لا كرد فعل على أيديولوجيات الخصوم.
6. خطاب بنكيران يتجاهل المكتسبات الوطنية في القضية الفلسطينية، فالمبادرة المغربية لم تكن يوماً على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتصريح بنكيران يغفل أن المملكة هي الوحيدة التي تزاوج بين المبدئية والواقعية الدبلوماسية وبين رئاسة لجنة القدس والدعم الميداني الملموس للمقدسيين.
7. خطاب بنكيران يساهم إضعاف المؤسسات السيادية أمام المنتظم الدولي فتوجيه نقد علني لوزير الخارجية عبر فيسبوك في قضايا حساسة ومعقدة ويفهم بنكيران جيدا سياقها، يخدم أجندات المتربصين بالمغرب، ويصور الدولة ككيان يعيش صراعاً بين مكوناته حول قضايا استراتيجية.
8. السقوط في الشعبوية الانتخابية، بنكيران مصر على لعب ورقة فلسطين في الانتخابات وهو يحاول استدرار للعواطف الشعبية والكتلة الناخبة المرتبطة بهذه القضية، هو يدرك أن توقيع سلفه العثماني كان من اسباب انهيار الحزب واليوم يحاول استعادة الغاضبين بخطاب يشكك في المواقف السيادية.
للأسف يثبت عبد الإله بنكيران كل مرة أن الجلباب الحزبي الضيق والجري وراء المقاعد الانتخابية لها الأولوية على ما عداها من الأولويات حتى لو كانت مرتبطة بالمصالح العليا للدولة.






