معاهدة مراكش لعام 1767 من خلال وثائق "سيمانكاس" وما جاء فيها عن مدينتي سبتة ومليلية وصخرتي النكور وبادس
داخل قلعة "سيمانكاس" التاريخية بضواحي مدينة "بلد الوليد" الإسبانية، يوجد واحد من أهم الأرشيفات في أوروبا.
هذا الحصن الذي تحول بقرار ملكي إلى مستودع رسمي لوثائق التاج الإسباني، يضم بين رفوفه آلاف المراسلات التي توثق اعتراف مدريد بهيبة الدولة المغربية في القرن الثامن عشر.
وضمن الركام الورقي الهائل لقلعة "سيمانكاس"، تبرز "معاهدة مراكش" الموقعة في 28 ماي 1767 كوثيقة مفصلية غيرت موازين القوى في البحر الأبيض المتوسط. هذه المعاهدة التي وقعها السلطان سيدي محمد بن عبد الله العلوي مع الملك الإسباني "كارلوس الثالث"، زيادة على أنها كانت وثيقة صلح، فقد كانت إقراراً رسمياً من إسبانيا بسلطة المغرب المطلقة على مياهه الإقليمية وتجارته البحرية.
الذي قاد المفاوضات من الجانب الإسباني كان هو خورخي خوان (Jorge Juan y Santacilia)، وهو ضابط رفيع ومهندس بحري وعالم اشتهر في البلاط الإسباني بلقب "الحكيم". وقد أوفده الملك "كارلوس الثالث" إلى مراكش خصيصاً نظراً لمكانته العلمية والعسكرية، حيث سجل في تقاريره المودعة في الأرشيف إعجاباً كبيراً بشخصية السلطان سيدي محمد بن عبد الله، واصفاً إياه بالحاكم المتبصر والسياسي المحنك الذي لم يكن يقبل بأنصاف الحلول حين يتعلق الأمر بحقوق مملكته البحرية.
وتكشف وثائق "سيمانكاس" بوضوح لغة الندية في بنود المعاهدة، حيث ورد في أحد أهم نصوصها المكتوبة بالخط المغربي:
"...وأن يكون الصلح المذكور ممتداً ومستمراً في البر والبحر وفي سائر المراسي والبلاد التي بعهدة الجانبين، ولا سيما ما يتعلق بجوار سبتة ومليلية، وأن لا يقع من جانب الرعية ما يكدر صفو هذا السلم، بل يترك الناس في أشغالهم وتجاراتهم، ومن تعدّى من الجانبين فإنه يُعاقب بمقتضى ما جناه، ويبقى الصلح على حاله..."
إن المتأمل في لغة هذا النص يدرك حنكة دبلوماسية مغربية في التفاوض.
فاستخدام مصطلح "البلاد التي بعهدة الجانبين" بدلاً من "سيادة" أو "ممتلكات"، هو اختيار لغوي وسياسي مقصود. فـ "العهدة" تعني الأمانة أو الحيازة المؤقتة المقيدة بشروط، وليست إقراراً بملكية نهائية أو سيادة مطلقة. وعندما خصَّ السلطان بالذكر "جوار سبتة ومليلية"، فإنه كان يرسخ واقعاً دبلوماسياً مفاده أن هذه الثغور هي مناطق خاضعة لنظام "المهادنة والصلح" وليس لنظام الاعتراف بالسيادة الإسبانية. فالسلطان لم يوقع على تنازل، بل وقع على "تنظيم للجوار"، مما يجعل من وجود إسبانيا في هذه المدن وجوداً مرتبطاً بمدى التزامها ببنود الصلح المغربي.
إن المخطوطات الأصلية المحفوظة في هذا الأرشيف تظهر بوضوح كيف استطاع الدبلوماسيون المغاربة، بتوجيه من السلطان، انتزاع اعترافات صريحة بالوحدة السيادية للمغرب. وتكشف هذه الوثائق أن العرش المغربي ظل متمسكاً بالجوهر السيادي؛ فمن يملك الحق في الأمر بترك الناس في أشغالهم، ومن يملك حق معاقبة من تعدى، هو السلطان نفسه، مما يثبت أن خيوط السلطة الفعلية والشرعية كانت تدار من مراكش، وأن سبتة ومليلية لم تخرجا يوماً من دائرة الانشغال والولاية المغربية.
معاهدة 1767 في أرشيف "سيمانكاس" هي حجة تاريخية دامغة على أن المغرب لم يقبل يوماً بوجود ثغور أجنبية خارج إطار الاتفاقيات المقيدة، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لتصفية الوجود الاستعماري في مناطق عدة.
هذه الوثائق هي رسوم جلية لخريطة القوة المغربية التي كانت تحرك خيوط السياسة الدولية من قلب العاصمة مراكش حينها، وهي إرث دبلوماسي لا تزال "سيمانكاس" تحفظ تفاصيله في صناديقها الموصدة.
وهذا ما كان.
التعليق على الصورتين الوثائقيتين
🔹️التعليق على الصورة 1 :
تُظهر هذه الصورة الصفحة الاستهلالية والختامية في آن واحد للنسخة العربية الرسمية من معاهدة 1767. تبدأ بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" متبوعة بعبارة "ذكر الشروط" التي استقرت بين السلطان والمفوض الإسباني. يتوسط الصفحة الختم السلطاني الشريف للسلطان سيدي محمد بن عبد الله، وهو ختم دائري مزخرف يعكس أعلى درجات المصادقة السيادية للدولة المغربية. كما يتضمن النص تحديداً صريحاً لتاريخ توقيع المعاهدة في "فاتح محرم فاتح واحد وثمانين ومائة وألف" هجرية (الموافق لـ 28 مايو 1767م)، مع الإشارة الصريحة إلى اسم المفوض الإسباني "دون خورخي خوان".
يرد في الأسطر الأولى نص حاسم يحدد جغرافية الحكم المغربي:
"التي انعقد عليها الصلح بين الجناب المولوي المعتز بالله وأعز نصره جناب مولانا أمير المؤمنين ملك مراكش وفاس ومكناسة وسوس ودرعة وتافيلالت وغير ذلك من الأقاليم المغربية..."
إن التدقيق في هذا النص يكشف عن حقائق جيوسياسية تتمثل في وحدة الأقاليم المغربية. فالنص لم بكتف بذكر الحواضر الكبرى كفاس ومراكش ومكناسة (مكناس)، بل نص صراحة على "سوس ودرعة وتافيلالت"، وهي الأقاليم التي تشكل بوابات الصحراء وعمقها الاستراتيجي.
وعبارة "وغير ذلك من الأقاليم المغربية" هي أهم جملة في هذه الديباجة. فهي عبارة جامعة ومانعة تُدخل تحت لواء السيادة السلطانية كل المناطق التابعة لهذه الأقاليم جنوباً. وبما أن سوس والدرعة وتافيلالت هي أقاليم تمتد جغرافياً وقبلياً إلى ما وراء وادي نون، فإن السيادة المغربية هنا تُعرَّف بصيغة "المد المفتوح" الذي لا يقبل الحصر الإسباني، وهو مد يصل إلى الأراضي الصحراوية الواقعة جنوب وادي نون، وهو ما سنطلع عليه في الحلقة 7، من خلال أحد شروط المعاهدة.
🔹️التعليق على الصورة 2
تتضمن هذه الوثيقة نص "الشرط التاسع عشر" من المعاهدة، وهو بند استراتيجي، يتعلق بالحدود البرية للثغور، حيث يستهل النص بالإشارة إلى طلب الجانب الإسباني القاضي بـ "التوسيع في الأرض للمدن الأربعة سبتة ومليلية والنكور وبادس".
ويأتي الرد السلطاني في هذه الصورة حازماً بالرفض، معللاً ذلك بأن الحدود يجب أن تبقى كما كانت عليه قديماً دون زيادة، لكونها وضعت بمحضر العلماء والقضاة والجماعة من المسلمين، فلا يمكن الزيادة فيما هو مشهود به على السلطان أو على من قبله من الملوك.
ومن الناحية الجغرافية، يبرز هنا ذكاء الدبلوماسية المغربية.
فرغم أن النكور وبادس هما في الأصل صخرتان، إلا أن الوثيقة وصفتهما بـ "المدن" مساواة بسبتة ومليلية لمنحهما وضعاً اعتبارياً ثابتاً في لغة المعاهدات.
ومن الناحية السياسية، يعكس هذا الشرط فلسفة السلطان سيدي محمد بن عبد الله القائمة على الواقعية السياسية وحفظ السلم. فهو هنا لا يوقع تنازلاً جديداً، بل يختار تجميد النزاع والوقوف عند حدود الوجود الإسباني الضيق كواقع تاريخي موروث، رافضاً شرعنة أي تمدد لهذا الوجود خارج الأسوار، ليضمن بذلك استقرار المملكة وتفرغها لبناء قوتها الاقتصادية والمينائية، معتبراً أن أي تغيير في هذه الحدود هو مساس بإجماع الأمة وشرعية الملوك المتقدمين.
🔷 ️المرجع الوثائقي والأكاديمي:
▪️الأرشيف العام في سيمانكاس (Archivo General de Simancas): قسم الدولة (Secretaría de Estado)، ملفات المفاوضات مع المغرب (Negociación de Marruecos).
▪️الأرشيف التاريخي الوطني في مدريد (Archivo Histórico Nacional): سجلات معاهدات السلام والتجارة في القرن الثامن عشر.
▪️المراسلات الدبلوماسية لخورخي خوان (Jorge Juan) المبعوث الإسباني إلى البلاط المغربي عام 1767.
أحمد الدافري (إعلامي)







