مجتمع وحوداث

رمضان… الذاكرة لا تصوم

عبد الرفيع حمضي

«العادات  تصبح طبيعة ثانية للناس» ابن خلدون 

في حياة المجتمعات، لا يُقاس الزمن بالتقويم فقط، بل بالعادات التي ترافقه. فبعض الشهور لا تمر كغيرها، لأنها تحمل معها طقوساً صغيرة تصنع ذاكرة الجماعة. ورمضان في المغرب واحد من تلك الأزمنة التي لا تعيش في الوجدان بوصفها عبادة فحسب، بل بوصفها أيضاً إيقاعاً اجتماعياً كاملاً تتغير فيه مواعيد الحياة وأصوات المدن وروائح البيوت.

ولكل مدينة طريقتها الخاصة في عيش هذا الإيقاع.

في وزان، لم يكن رمضان يبدأ فقط برؤية الهلال، بل بصوت يعرفه الناس قبل أن يروا القمر.يصعد النفار إلى صومعة المسجد وينفخ في آلته النحاسية نفخات طويلة تشق صمت المساء. عندها فقط تدرك المدينة أن رمضان قد حل بينهم فعلاً.

النفار لم يكن يقتصر على إعلان بداية الشهر. فبعد كل صلاة العشاء كان يعود إلى الصومعة لينفخ بنغمة يعرفها أهل المدينة جيداً، إشارة بسيطة تعني أن وقت العجين لاعداد خبز البطبوط الذي سيُطهى عند السحور .

وقبيل الفجر  يطل  مرة أخرى من اعلى  الصومعة  بنفس الالة ولكن بنغمة أخرى للتنبيه  ان الفجر على الأبواب.

وفي تلك الأثناء يكون الطبال قد أنهى  جولته في الأزقة بعدما يكون قد أيقظ  بطبله وبإيقاع جميل يعرفه أهل الحي، فتستيقظ البيوت بيتاً بعد بيت، ويجلس الناس إلى مائدة السحور.

بهذا المعنى فالنفار والطبال يشكلان معاً نظاماً بسيطاً لتنظيم الزمن داخل المدينة، في زمن كانت المدينة تعرف وقتها من خلال أصواتها.

والأجمل في هذه العادة أنهما معا لم يكونا اجيرين لدى جهة ما ، بل كانا جزءاً من الحياة الاجتماعية للمدينة. ولهذا كانا يطوفان على البيوت في أيام معلومة من الشهر — منتصف رمضان، وليلة القدر، ويوم عيد الفطر — حيث يقدم الناس ما تيسر من دراهم أو سكر أو طحين.

في تلك الأيام كانت البيوت بدورها تعيش طقوسها الخاصة. ففي كثير من بيوت وزان يُعد التريد بالدجاج احتفاءً بمنتصف الشهر وبليلة القدر.

وأتذكر أن الحاجة، رحمها الله، كانت من النساء اللواتي يحرصن على هذه التقاليد. تستجيب لنداء النفار حين يعلن وقت العجين، وتعد ما جرت به العادة في تلك المناسبات، ثم تستقبل النفار والطبال حين يمران في جولتهما وتكرمهما بما تيسر، معتبرة ذلك جزءاً طبيعياً من أخلاق رمضان ومن حفظ حق من يوقظون المدينة كل ليلة.

وربما لم نكن نعرف ونحن صغار أن هذه التفاصيل الصغيرة — صوت النفار، وطرقات الطبال، وعجين البطبوط في الليل — هي مما يسميه الباحثون اليوم التراث الثقافي اللامادي: ذلك الرصيد الخفي من العادات التي تنتقل من جيل إلى جيل، وتحفظ للمدن روحها حتى وهي تتغير.

ولعل ما يبعث على شيء من الطمأنينة أن هذه العادة لم تختف تماماً في وزان. فما يزال النفار والطبال يظهران إلى اليوم، وإن بشكل محتشم، كأن المدينة تحرص على أن تترك خيطاً رفيعاً يربط حاضرها بذاكرتها.

ولهذا، كلما سمعنا في رمضان صوت نفار بعيد، أو طرقات طبل في زقاق قديم، ندرك أن الزمن قد يتغير… لكن الذاكرة المغربية لا تصوم .