كان من الطبيعي أن أتخلى عن جزء من اهتماماتي اليومية لأتفرغ و لو جزئيا في أيامنا هاته لمتابعة ما تشهده الساحة الشرق أوسطية من مستجدات على مستوى التحركات العسكرية و ذلك على غرار معظم الخلق بما أن كوكبنا يظل قرية صغيرة رغم شساعة رقعته و بما أن ما يمس أحد أصقاعه من المحتمل أن يلقي بظلاله على الأصقاع الأخرى بطريقة أو بأخرى (ليس من باب الصدفة مثلا أن ترتفع أسعار الغاز بأوروبا الغربية ب 50 بالمائة بعد انطلاق الهجمات الأمريكية الإسرائيلية ببومين فقط، و ليس غريبا أن يظل الآلاف من المسافرين العالميين عالقين بمطارات المنطقة). كلنا معنيون إذن بما هو حاصل و لا يمكن لقلقنا إلا أن يكون ملموسا و لا يمكن لمشاعرنا إلا أن تهتز على وقع التقتيل و الدمار على الرغم من اقتناعي بأن الحرب الدائرة لن تطول. فذخائر الأسلحة ستنفد حتما و سيطال العياء كل الأطراف في نهاية المطاف ... بل و قد تضع الحرب أوزارها بلا غالب و لا مغلوب لتظل آثارها وحدها شاهدة على حمق الإنسان.
و بعد الأيام الثلاثة الأولى من تبادل القصف بدا لي و كأن المواجهة دخلت مرحلة من الرتابة خاصة و أن مقتل المرشد الأعلى للثورة الإيرانية مر مرور الكرام تقريبا و لم يشكل نقطة تحول بارزة إلى حدود الساعة في مسار هذه الحرب غير المتكافئة.
لست هنا لمناقشة حيثيات الحرب و تفاصيل مجرياتها. لست هنا لتقييم قدرات الصواريخ و المسيرات و المقاتلات الجوية و البوارج الحربية المعبأة، كما أني لست هنا لتبرير مشروعية هذه الحرب أو نفيها. هذه المواضيع لها أهلها و هم يعدون بالمئات عبر كل أنحاء المعمور و لهم القدرة على مقاربة الأزمة من كل الزوايا الممكنة. هدفي اليوم لا يعدو أن يكون نقلا سطحيا لما يواكب هذه الكارثة الإنسانية الجديدة من ردود أفعال كما رصدتها بمجموعة من المنابر الإعلامية العربية و الدولية، و من يرغب في تشريح ملاحظاتي و التوسع فيها فله ذلك و ليتفضل مشكورا.
لمتابعة أطوار المأساة وجدت ضالتي في التلفزيون بالدرجة الأولى. لقد أذهلني أداء مجموعة من القنوات الإخبارية التي تجندت على مدار الساعة و أبانت عن احترافية عالية و التزام ثابت و عبأت لغاية التغطية الإعلامية مراسلين صناديد لا يخشون الموت و استقبلت شخصيات و محللين من العيار الثقيل و أمنت إخراجا متفردا و بثا لا تشوبه شائبة و تنسيقا في غاية الدقة.
و عبر شاشة التلفزيون شاهدت العجب العجاب. فقد لاحظت مثلا كيف أنه في الوقت الذي استهدفت فيه تلميذات مدرسة ابتدائية بجنوب إيران ـ و هو الحادث الذي خلف 168 قتيلة في عمر الزهور ـ اكتفت قناة عربية ببث فيلم من بطولة إسماعيل ياسين.
و لاحظت كيف أنه في الوقت الذي زلزلت فيه القنابل حي باستور بوسط طهران و ما تبع ذلك من خسائر إن على مستوى الأرواح أو الجدران أبت قناة أخرى إلا أن تبث مباراة في كرة القدم بين فريقين عربيين يعود تاريخ إجرائها إلى السنة الفارطة.
و لاحظت كيف أنه في الوقت الذي كانت تتهاطل فيه الصواريخ الإيرانية على الدول المجاورة اختار القائمون على قناة ثالثة إعادة إحياء فوازير نيللي.
و لاحظت كيف أنه في الوقت الذي كانت فيه بعض المستشفيات هنا و هناك تعج بالجرحى كان فيه الداعية عمرو خالد يخاطب متابعيه عبر قناة رابعة في موضوع حياة البرزخ.
و لاحظت كيف أن بعض القنوات الموسيقية أوقفت مؤقتا بث المواد الطربية احتراما لخصوصيات هذا الشهر الفضيل ـ و ربما أخذا بالاعتبار أيضا حساسية المرحلة ـ فاستعاضت عن ذلك بمجموعة من المسلسلات الكوميدية الشيقة.
و في روبورتاج تلفزيوني تم إنجازه بإحدى قرى جنوب لبنان لم يملك عجوز فقد منزله من جراء القصف غير ترديد : "لله الأمر من قبل و من بعد."
و في روبورتاج آخر صرحت سيدة في منتصف العمر من المنطقة ذاتها بأن من يتقاسم الحدود مع إسرائيل لن يهدأ له بال و لن ينعم بالراحة أبدا حتى و لو لزم الجنود ثكناتهم.
أما القنوات الغربية فمعظم مقارباتها تصب في اتجاه واحد، إذ يكاد جل جهابدة التحليل بأوروبا و أمريكا أن يجمعوا على أن الحل الدائم لما تعرفه المنطقة من أزمات و اختلالات يمر حتما عبر إقبار النظام السياسي الإيراني الحالي بانخراط الإيرانيين أنفسهم (... و استبداله بنظام على مقاس أقوياء العصر طبعا).
و شكلت الكثير من المواقع الإخبارية الإلكترونية أيضا جزءا من المصادر التي مكنتني من مواكبة الحدث و رصد تفاعل الناس معه.
فمن خلال لقاء عابر بالشارع العام مع مراسل أحد المواقع صرح شاب في بداية عقده الثاني ـ دون تحمل عناء إزالة "ليزيات" من أذنيه ـ بأنه ليس على علم بما يجري و بالتالي فإنه غير مؤهل للإدلاء برأيه في موضوع يجهله.
و في تعليق على خبر منشور يرتبط بمستجدات المواجهات لم يتردد أحد القراء من بني جلدتنا في التضرع إلى الله لنصرة إسرائيل. (ربما رفع كفيه إلى السماء و عيناه تدمعان.)
و في تعليق آخر، تمنت قارئة تنتسب إلينا هي أيضا الفناء لإيران و حضارتها مبررة ذلك بكون هذه الدولة "دولة مجوسية صفوية عنصرية كارهة للعرب".
و في تعليق مماثل إلى حد ما ذكرنا أحد القراء بأن الشيعة كفار، و بالتالي فإنه بهذه الحرب إنما أراد الله ضرب الكفار بالكفار.
و في تعليق رابع أكد مواطن خليجي بأن حكومة بلاده مستعدة للتحالف مع الشيطان و ليس فقط مع الولايات المتحدة و إسرائيل في سبيل ضمان استمرار وجودها السياسي و بأنها تحتفظ لنفسها بحق الرد على كل عدوان يطالها من الجانب الإيراني.
و في تعليق خامس أكد قارئ بأن إيران هي سبب كل المشاكل التي يتخبط فيها العالم.
و في درس مصور تفضل أحد الدكاترة الأجلاء عبر موقع إخباري بتفسير الفرق بين قراءة القرآن من الهاتف و قراءته من المصحف الشريف.
و في خبر شبه عاجل أفادت مصادر مطلعة بأن الاستعدادات جارية على قدم و ساق للشروع في عرض فيلم حول حياة الأسطورة مايكل جاكسون بالقاعات السينمائية البيضاوية.
و بطبيعة الحال، كان من المنتظر أيضا ارتفاع أصوات عديدة للتنديد بالضربات الجديدة بحكم أنها لا تروم غير الإبقاء على التفوق العسكري الإسرائيلي بالمنطقة و بالتالي ضمان أمن الكيان و استمرار وجوده، و هذه حقيقة يدركها جيدا حتى حديثو الولادة و الرضع و أطفال التعليم الأولي.
كانت هذه نماذج فقط من ردود الأفعال المسجلة : جهل فظيع، و تجاهل مقصود، و لا مبالاة مفضوحة، و استكانة مفروضة، و انكسار مثير للشفقة، و اهتمام غير مفهوم بالتفاهات في ظرفية تتطلب التحلي بالجدية، و ميل صريح لتأييد الخطط الرامية إلى إضعاف الأمة و احتقارها و الدوس على كرامتها في سياق مشهد عام يتسم ببرودة قطبية. حتى العلم و الوعي بما هو حاصل فعلا يظلان بدون فائدة مادام أن لا صوت يعلو على صوت القنابل و لا قوة تعلو على قوة النار.
أما داخل حدودنا فالحياة ماضية بأفراحها و أتراحها، إذ مازالت محاكمة "إسكوبار الصحراء" مستمرة، و مازالت خسائر الفيضانات قيد العد، و ما زالت "بانينكا" ابراهيم دياز تثير السخط، و مازال الحديث عن مسلسل مدرب أسود الأطلس الجديد في مستهله ... في حين يقترب مسلسل التقلبات الجوية من نهايته.
أشياء كثيرة إذن تواكب المواجهة الجديدة بمنطقتنا و خارجها. لا غرابة في الموضوع بالنظر إلى خصوصيات العصر و مخاطر المخاض الراهن و معادلتي البقاء و التوازن و غلبة منطق القوة الذي ظل أكثر الثوابت متانة على الإطلاق منذ فجر الإنسانية.
و لعل أبرز ما لاحظته على الإطلاق منذ بداية وعيي بالصراع في الشرق الأوسط ـ و هذا أمر يتأكد اليوم أيضا ـ هو قدرة الجيش الإسرائيلي الرهيبة على العمل و قيمة أدائه العالية. فمنذ تأسيس الدولة العبرية لم تعرف قواتها المسلحة الراحة مقدمة بذلك الدليل تلو الدليل على أن الأسلحة إنما تشترى لتوضع رهن الاستعمال و ليس ليطالها الصدأ و على أن إحداث مؤسسة الجيش و تكوين الجنود و الضباط إنما يكون بدافع التحرك من حين لآخر و ليس بهدف الردع لا غير و ذلك حتى و إن كانت مبررات هذا التحرك مؤكدة بنسبة 50 بالمائة فقط. القطاع العسكري، في عرف هذه الدولة، من المفروض ألا يختلف عن باقي القطاعات المنتجة، و لهذا السبب دخلت دبابات "تسال" مرارا و تكرارا إلى الأراضي اللبنانية و المصرية و السورية و حلقت طائراته فوق أجواء المنطقة برمتها بل و بلغت أجواء اليمن غير السعيد و قطر و حتى تونس ... و من المضحك حقا أن يبلغ عسكري رتبة مارشال في وقت يعلم فيه الجميع بأنه لم يسبق له أن شارك و لو في معركة واحدة طوال حياته الوظيفية.
في الأخير، و بعد تقييمي للواقع، لا يسعني إلا أن أردد حرفيا ما فاه به العجوز اللبناني المشرد : "لله الأمر من قبل و من بعد"... مع إضافة بسيطة : "الوقت خايبة".






