في الأحياء المغربية القديمة، حيث يتداخل صوت المآذن مع وقع الخطى، وحيث تستيقظ الأزقة على رائحة الخبز والشاي، يظل “السفناج” حاضرا كعلامه يومية لا تخطئها العين. إنه بائع السفنج التقليدي، حامل حرفة شعبية أصيلة ارتبطت بفطائر مقلية تعرف بـ“السفنج”، وصارت جزءا من التراث الغذائي المغربي. ليست المسألة في قطعة عجين تقلى فحسب، بل في طقس صباحي كامل: دفء المقلاة، وبساطة المكونات، وذاكرة إجتماعية تتجدد مع كل فجر.
الأصول التاريخية
يرتبط السفنج بتاريخ قديم يمتد لقرون، وقد ذكر باعة السفنج في المغرب منذ عصور مبكرة، قبل القرن الثالث عشر. ويروى أنه ازدهر في الأندلس، ثم انتقل إلى المغرب وتونس والجزائر، حاملا معه أثرا أندلسيا واضحا في الذائقة والإنتشار. ومع ذلك، فإن حضوره في المغرب لم يكن مجرد إمتداد وافد، بل صار جزءا من النسيج الغذائي والإجتماعي المحلي، بما ينسجم مع طبيعة البلاد التي تمتزج فيها الروافد الثقافية وتتداخل بدل أن تنفصل.
وفي المخيال الإجتماعي، لم يكن السفنج طعاما عابرا، بل اكتسب رمزية خاصة، إذ يقدم مع الشاي الأخضر ويستحضر في المجالس البسيطة بوصفه من علامات الألفة والدفء. ولطالما استوقف منظره الأنظار، ولا سيما حين يخرج من الزيت منتفخا ذهبي اللون، فيغدو حضوره باعثا على الشهية ومقرونا ببهجة يومية مألوفة.
طريقة الإعداد التقليدية
تبدأ الحكاية قبل أن يستيقظ الناس. يعمل السفناج غالبا من منتصف الليل، يهيئ عجينا بسيطا من الدقيق والملح والخميرة، وأحيانا شيء يسير من السكر، ثم يتركه حتى يتخمر وتظهر فقاعاته. وعند الفجر، توقد النار وتسخن المقلاة الكبيرة بزيت وفير، فيجلس السفناج متربعا في دكان مرتفع، كأنه يراقب إيقاع الحي وهو يتكون.
بسرعة يد مدربة، يأخذ من العجين قطعا رخوة، يشكلها دوائر مخرومة، ويلقيها في الزيت بحذر وخفة. ثم يقلبها بـ“المخطاف” حتى تنتفخ وتستوي، ويصفها في “شرك” من الدوم أو وعاء بسيط، لتصل إلى الزبون ساخنة خفيفة من الداخل، مقرمشة من الخارج. وتتنوع الأنواع بين السفنج العادي و“المطفّية” التي تقلى مرتين، و“المطفّية بالبيض” لمن يطلب مذاقا أغنى.
الدور الإجتماعي والثقافي
كان للسفناج مكان ثابت في الحياة اليومية، إلى جانب الفرن والحمام، يفتح مع زقزقة الديوك، ويستقبل العمال والطلبة وأصحاب الدكاكين. ومن العادات التي تروى في بعض الأحياء تقديم السفنجة الأولى مجانا للفقراء والطلبة، وكأن البركة تستفتح بالعطاء. وفي الأسواق الأسبوعية والحواضر الكبرى من مراكش إلى الدار البيضاء وإلى أسواق جبلية ظل السفنج حاضرا، يؤكل أحيانا مع العسل أو يقدم على العود، وتدور حوله أمثال شعبية تكشف مكانته في اللسان اليومي، مثل قولهم: “صاب سفنجة وقال عوجة”، أو “تاتطلب الزيت من سفناج”.
الوضع الحالي والتحديات
رغم تغير أساليب العيش وتراجع بعض الحرف مع التحضر، ما زال السفناج يقاوم. يقبل عليه الناس خصوصا في الشتاء للفطور، وتنتقل وصفاته اليوم عبر الإنترنت إلى المغاربة في المهجر، فيستعيدون به طعم الوطن من وراء المسافات. لكن الحرفة تواجه تحديات واضحة، في مقدمتها ارتفاع أسعار الزيت وكلفة المواد، إضافة إلى منافسة البدائل السريعة.
ومع ذلك، يبقى للسفناج سره: أنه لا يبيع طعاما فقط، بل يبيع لحظة دافئة من هوية مغربية بسيطة. وبين يد السفناج والمقلاة، تظل “ذاكرة العجين” حية، تقول إن التراث لا يعيش في الكتب وحدها، بل في الروائح التي توقظنا، وفي العادات التي نكررها دون أن نشعر بأنها تحفظنا.






