فن وإعلام

العواقب القاسية للحرب الإفريقية المغربية الإسبانية سنة 1860 (الحلقة 16)

أحمد الدافري (إعلامي)

يرتبط فهم تقارير أوغست مولييراس (Auguste Mouliéras) الاستخباراتية عام 1899 بالخلفية الدبلوماسية والعسكرية التي أرستها معاهدة واد راس (Tratado de Wad-Ras)، الموقعة في 26 أبريل 1860.


 وتكشف الوثائق التاريخية المحفوظة في البوابة الرسمية للأرشيف الإسباني أن هذه المواجهة، التي عُرفت باسم "الحرب الإفريقية" (La Guerra de África)، اندلعت بين الإمبراطورية المغربية تحت حكم السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن والمملكة الإسبانية في عهد الملكة إيزابيل الثانية (Isabel II).


واتخذت هذه الحرب طابعاً أيديولوجياً ودينياً في الوجدان الإسباني، مدفوعاً بالتزمت الكاثوليكي للملكة إيزابيل الثانية التي كانت محاطة بمستشارين من رجال الدين؛ إذ ساد تيار فكري يرى في المغرب العائق الذي يمنع تمدد نفوذ المسيحية نحو العمق الإفريقي. وسعت إسبانيا من خلال هذه المواجهة إلى محاولة اجتثاث القوة الإسلامية التي مثلها المغرب كدولة مستقلة وصامدة في شمال القارة، في استحضار أيديولوجي لمشروع "الاسترداد" (Reconquista) ضد القلعة الإسلامية الوحيدة المتبقية قبالة شبه الجزيرة الإيبيرية.


وتركزت العمليات العسكرية الميدانية، وفقاً لسجلات "مستودع الحرب" الإسباني، حول الاستيلاء على مدينة تطوان واحتلال ميناء طنجة. وقاد الجنرال "ليوبولدو أودونيل" (Leopoldo O'Donnell) القوات الإسبانية في مواجهة مقاومة مغربية بقيادة الأمير مولاي العباس، وانتهت هذه العمليات بسقوط مدينة تطوان في فبراير 1860، ثم وقوع معركة "واد راس" الحاسمة في 23 مارس 1860، مما أدى إلى فرض شروط معاهدة الصلح.


وتعكس المواد الثانية والثالثة من المعاهدة المنزع التوسعي بانتزاع السيادة على أراضٍ جديدة في محيط سبتة، ممتدة إلى "سلسلة جبال بليونش" (Sierra Bullones) ووادي "أنجرة" (Anghera). ونصت المادة السابعة على حق التاج الإسباني في بناء التحصينات العسكرية دون اعتراض من السلطات المغربية، بينما فرضت المادة الثامنة التنازل عن منطقة "سانتا كروز دي مار بيكينيا" (Santa Cruz de Mar Pequeña) — وهي مدينة سيدي إفني الحالية — بدعوى وجود "حق تاريخي قديم"، وهي الخطوة التي استهدفت محاصرة الإمبراطورية المغربية ومنع تواصلها البحري السيادي.


إن الأثر البالغ لهذه الحرب تمثل في الاستنزاف المالي الذي نصت عليه المادة السابعة بفرض غرامة قدرها عشرون مليون "دورو"، مما أدى إلى رهن السيادة المالية للمغرب وتحويله إلى دولة مدينة تحت الوصاية الإسبانية التي اشترطت بقاء تطوان محتلة كضمانة للسداد.


 هذه التراكمات المالية والترابية هي التي مهدت الطريق لما رصده أوغست مولييراس (Auguste Mouliéras) في تقاريره عام 1899، حيث شكل الوهن الذي أصاب السلطة المركزية جراء ديون عام 1860 الثغرة التي نفذت منها الاستخبارات الفرنسية لاختراق القبائل وتفكيك الروابط التي تجمعها بالعرش، تمهيداً لضم أراضيها لـ "الجزائر الفرنسية" (Algérie française).


◾️المرجعية التوثيقية للحلقة 16:

▪️ معاهدة واد راس (Tratado de Paz y Amistad entre España y Marruecos)، تطوان، 26 أبريل 1860.

▪️الأرشيف: البوابة الرسمية للأرشيف الإسباني، وثائق وزارة الدولة وسجلات "مستودع الحرب" (Depósito de la Guerra) المتعلقة بالحرب الإفريقية 1859-1860.

▪️المصدر التحليلي: بيدرو أنطونيو دي ألاركون (Pedro Antonio de Alarcón) - "مذكرات شاهد على حرب إفريقيا" (Diario de un testigo de la guerra de África).

▪️الربط الاستخباري: أوغست مولييراس (Auguste Mouliéras) - "المغرب المجهول" (Le Maroc inconnu)، المجلد الثاني (ص 782).