فن وإعلام

وثيقة من مدريد تكشف تمويل داي إيالة الجزائر حملة عسكرية فاشلة لإسقاط حكم السلطان مولاي سليمان انطلاقاً من صخرة الحسيمة (النكور) (الحلقة 19)

أحمد الدافري (إعلامي)

تضعنا الوثيقة رقم 494 من المجلد (Legajo) رقم 7318 التابع للأرشيف العام العسكري (SGU - Servicio Geográfico del Ejército) بمدريد (Madrid)، والمؤرخة في 28 أكتوبر 1792، أمام تفاصيل استراتيجية بالغة الخطورة تتعلق بالأمن القومي المغربي في أواخر القرن الثامن عشر، حيث تكشف هذه المراسلة الاستخباراتية عن مخطط لزعزعة استقرار عرش السلطان المولى سليمان بن محمد الثالث العلوي في بداية حكمه عبر دعم عسكري ولوجستي خارجي وفره داي الجزائر للأمير المنافس المولى مسلمة، وهو أخ السلطان المولى سليمان الذي كان ينازعه على حكم المغرب في تلك الفترة المضطربة.


 وقد جاء في التقرير الحرفي الكامل لما رفعه حاكما الثغرين المحتلين في صخرة بادس (Peñón de Vélez de la Gomera) وصخرة الحسيمة (Peñón de Alhucemas) إلى الماركيز دي فالي هيرموسو (Marqués de Vallehermoso)، حيث كان الإسبان ينطقون ويكتبون اسم المولى مسلمة بصيغة "SELEMA"، النص التالي:

"Al Marq.s de Vallehermoso. 28 de oct.e de 92. Noticias de los Presidios. Incluye copias de cartas q.e con f.ha de 16 y 17 de este mes le han escrito los Gobernadores del Peñón, y Alhucemas en que le dan varias noticias de Marruecos, comunicadas por los confidentes. Entre otras, dice el de Alhucemas q.e se ha sabido q.e Muley Selema buelve de Argel con tropas, y cañones pequeños que le ha facilitado aquel Dey para combatir con Muley Soliman, y q.e intenta establecerse al frente de aquel Presidio para defenderse con mayor proporcion p.a tener de su parte a los del Riff".


وترجمتها:

 (إلى الماركيز دي فالي هيرموسو. 28 أكتوبر 92. أخبار الثغور. يتضمن نسخاً من رسائل كتبها له بتاريخ 16 و17 من هذا الشهر حاكما "الصخرة" (بادس) والحسيمة، يوافيانه فيها بأخبار متنوعة عن المغرب، نقلها لهما المخبرون. ومن بين أخبار أخرى، يقول حاكم الحسيمة (صخرة النكور) إنه قد عُلم أن المولى مسلمة عائد من مدينة الجزائر مع قوات ومدافع صغيرة وفرها له ذلك الداي لمحاربة المولى سليمان، وأنه ينوي التمركز قبالة ذلك الثغر ليدافع عن نفسه بشكل أفضل لكي يضمن انضمام أهل الريف إلى جانبه).


وتكمن القيمة التاريخية لهذه الوثيقة في كشفها الصريح عن التمويل والتدخل الإقليمي، إذ تذكر أن داي الجزائر هو من وفر الرجال والمدافع للمولى مسلمة.


 ويجب هنا الانتباه إلى أن المقصود بـ "الجزائر" (Argel) في الوثيقة هو مدينة الجزائر التي كانت حينها مركز "إيالة الجزائر"، والتي عُرفت تاريخياً قبل الاستعمار الفرنسي باسم "La Regencia de Argel" بالإسبانية و"La Régence d'Alger" بالفرنسية، ولم تحمل اسم "آلجيري" (Algérie) أو "Argelia" إلا في عام 1839 بعد أن احتلت فرنسا مدينة الجزائر (Alger) عام 1830 وبدأت توسيع نطاق الإيالة عبر الاحتلال العسكري، وقد كان هدف الداي من هذا التمويل هو استغلال ظرفية انتقال السلطة في المغرب لفرض أجندة سياسية تخدم مصالح الإيالة عبر دعم طرف طامح للحكم ضد السلطة المركزية.


كما تبرز الوثيقة أهمية الحسيمة كمركز استراتيجي، حيث إن تمركز المولى مسلمة في الساحل المقابل للصخرة (Peñón de Alhucemas) لم يكن عفوياً، بل كان يهدف للتحصن في موقع محمي جغرافياً يسمح له بالتواصل المباشر مع قبائل الريف (El Rif) بحثاً عن حاضنة شعبية وعسكرية لحملته.


 غير أن التقارير الإسبانية توضح في نهايتها أن نية التمركز والزحف نحو الداخل المغربي اصطدمت بواقع ميداني معقد، فشلت معه هذه الحملة الممولة خارجياً في زعزعة شرعية السلطان المولى سليمان، وانتهت بانحسار طموحات المولى مسلمة أمام تماسك الجبهة الداخلية ووحدة البلاد، مما يؤكد أن صخرة الحسيمة كانت مرصداً سجلت فيه المخابرات الإسبانية أدق تفاصيل حرب المحاور التي حاولت المساس بالسيادة المغربية وكيف تكسرت هذه المحاولات أمام حصانة العرش المغربي.


◾️المرجع التوثيقي للحلقة 19:

 * الأرشيف: الأرشيف العام العسكري - مدريد (Archivo General Militar de Madrid - SGU).

 * المجلد (Legajo): 7318.

 * الورقة (Folio): 494.

 * التاريخ: 28 أكتوبر 1792م.