في هذا المعنى كان سيوران كتب عن الفيلسوف الألماني قائلا: "لم أول اهتماما بهايدغر حقا إلا حوالي سنة 1930 عندما كنت طالبا في جامعة بوخارست. (الوجود والزمان) وخاصة (ما الميتافيزيقا؟) هما النصان اللذان استحوذا على إعجابي. حدثان، أحدهما ثانوي والآخر جوهري، خففا من حماسي. كنت قد نشرت في تلك الفترة مقالا عن رودان محتذيا أسلوبا يزداد قربا من أسلوب هايدغر أو يقل. مما أثار حفيظة أحد الصحافيين، وقد كانت حدة هجومه ضربة حاسمة كانت بالنسبة إلي عبرة. كفى من الرطانة... ذاك عين العقل! أما الحدث الثاني فهو اكتشافي لـزيمل الذي شفاني وضوحه إلى الأبد من الرطانة الفلسفية".
يستنتج سيوران أن عبقرية هايدغر "عبقرية لفظية". وهو يرى أن التصنع اللغوي عند الفيلسوف الألماني هو في النهاية تصنع العمق، وهو يعزو ذلك أساسا إلى ما تتيحه اللغة الألمانية. لذلك فإن مهارة هايدغر تكمن في نظره "في قدرته على إخفاء ما يعرض له من مآزق باستخدام كل ما تمده به اللغة، وابتكار تراكيب غير مألوفة جذابة غالبا، ومربكة أحيانا، إن لم نقل مثيرة للغيظ".
لن نستطيع أن نرد بسهولة على سيوران، فهو نفسه، كما يتجلى في كتاباته، ليس ممن يزعمون أن اللغة الفلسفية ينبغي أن تكون لغة مباشرة شفافة، وهو أبعد ما يكون عن اللغة العلمية، حيث تقاس القيمة بوضوح الإحالة، وقابلية التحقق. ومع ذلك، فإننا ينبغي أن نطرح السؤال عما إذا كان الغموض بالفعل فقرا فكريا و"بديلا للعمق"، أم إنه شرط من شروط الفكر ذاته
كثيرا ما يكون الغموض نتيجة لتعقد الموضوع، وليس وليد قصور التعبير. نتيجة ذلك أن اللغة نفسها قد تغدو موضوعا للتفلسف. وربما هذه هي حال الفلسفة عند دريدا حيث تغدو خلخلة اللغة ليس تصيدا لجمالية لغوية وإنما ممارسة فلسفية. فالتفكيك أساسا هو تفكيك للأزواج الميتافيزيقية، وخلخلة للغة. لا يكون الغموض في مثل هذه الحال عيبا، وإنما نتيجة مباشرة لتقويض بداهات متجذرة، وهي غالبا ما تكون متجذرة في اللغة.
يمكن أن نقول الشيء ذاته عن هايدغر. فعندما يتشبث، على سبيل المثال، بالالتصاق باللفظ الإغريقي "آليتيا"، ونقله إلى لفظ "اللاتحجب" بدل لفظ "الحقيقة"، فليخرج إشكالية الحقيقة من مفهوم "المطابقة" الذي كرسته الميتافيزيقا، وليبين أن الحقيقة ليست فحسب خاصية خطاب. هذا التوقف عند لفظ بعينه، ليس مجرد جري وراء الغرابة والغموض، وإنما هو استثمار للغة، وتوظيف فلسفي للترجمة.
ذلك أن معظم الفلاسفة المعاصرين لا يرون في اللغة مجرد "أداة تعبير". اللغة عندهم فضاء توليد المعاني، وليست مجرد لباس لها. نلمس ذلك بالخصوص عند الفيلسوف الألماني حيث توظف اشتقاقات الألفاظ لفتح أفق جديد للفكر. فما يزعم البعض أنه رطانة، ربما يتخذ عنده محاولة لتحرير الفكر من ترسبات لغة الميتافيزيقا.
ولعل الأمر أكثر وضوحا عند دريدا، فمفهوم الكتابة، ومفهوم النص هما اللذان يقودانه إلى استثمار اللغة. ذلك أن النص عنده لا يكون نصا إلا إذا أخفى عن النظرة الأولى "قانون تركيبه وقاعدة لعبته، وهو يظل لامدركا على الدوام". عدم الوضوح إذن عائد أساسا إلى النسيج العنكبوتي للنص. وهو لا يعود لحذلقات كاتب أو لنقص في قدرات قارئ، ولا لـ"تعقد" لغوي، وإنما هو محايث للنص بما هو كذلك. يعتقد دريدا أن هناك في كل نص أثرا موشوما يحيلنا إلى نص آخر حاضر بغيابه. وإن وشم هذا الأثر على النص الميتافيزيقي لا يمكن أن يدرك إلا كمحو للأثر نفسه. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا المحو يخلف أثره في النص. وحينئذ فإن الحضور، بدل أن يكون، كما ساد الاعتقاد، ما يدل عليه الدليل، وما يحيل إليه الأثر، فإنه يصبح أثر محو الأثر: ذلك، بالنسبة إلى دريدا، هو النص الميتافيزيقي، وتلك هي اللغة التي نتكلمها، وذلك هو الشرط الذي ينبغي توفره لكي تحيلنا الميتافيزيقا واللغة التي نتكلمها إلى تجاوزهما.
هذا ما يدفع فيلسوف التفكيك إلى الوقوف عند بعض الكلمات التي تنطوي على معان متعددة بل ومعان مضادة. إنها كلمات يحكمها الاختلاف ولا تخضع لمنطق الحصر والحد، وهي تشكل بذلك فضيحة بالنسبة لمنطق الميتافيزيقا. إنها كلمات مزدوجة المعاني تحمل في "داخلها" خارجها، وتنطوي على قوة للخلخلة والتفكيك عملت الميتافيزيقا على الدوام على الحط من أحد معانيها، وتقوم استراتيجية التفكيك على بعث طاقة التعبير الحية في المعنى المهمش لكل هذه الكلمات.
ذلك هو شأن لفظ الأثر الذي يعني النسخ بالمعنى العربي المزدوج لهذه الكلمة: "النسخ إبطال الشيء وإقامة آخر مقامه، تبديل الشيء من الشيء وهو غيره"، ثم "النسخ: نقل الشيء من مكان إلى مكان وهو هو". الأثر هو الإبطال والإلغاء والإزالة، ثم هو الاحتفاظ والإبقاء، ذلك أيضا هو شأن الفارماكون الذي يعني السم والترياق، والملحق الذي يضاف لسد نقص فيبين عن النقص. إنه الزيادة والنقصان اللذان يصدعان كل مقابلة مطلقة بين الإيجاب والسلب. ثم الهامش الذي يشير في الوقت ذاته إلى الامتلاء والنقصان، الإيجاب والسلب.
كل هذه "الألفاظ" ليست هي هذا الطرف ولا ذاك، ولكنها هما معا. وكل هذه "الألفاظ" تعكس بعضها، كلها تحيل إلى السلب والإيجاب، الزيادة والنقصان، الحياة والموت، الهوية والاختلاف. فمن ورائها توجد حركة توليد الاختلافات، توجد المباينة.
تكوين هذا القاموس المتفجر، ليس إذاً مجرد حذلقات لغوية، وإنما هو جزء أساسي من استراتيجية التفكيك. فعندما تجد نفسك أمام لغة متفجرة تضم المعنى ونقيضه سيتعذر عليك الحديث عن "الوضوح"، وسرعان ما تتبين أن الوضوح نفسه ليس واضحا، وأن الكتابة الواضحة قد تخفي عنفا مفاهيميا غير مرئي، لكونها توحي بوجود معان ثابتة مستقرة. من أجل ذلك، فإن الفلسفات التي تتهم بتكريس الغموض، غالبا ما تعلن عكس ذلك: فهي لا ترمي إلى إخفاء المعاني، وإنما إلى زعزعة المعنى الواضح المتميز الشفاف "الذي يمثل لكل ذهن منتبه" على حد قول أبي الفلسفة الحديثة.
ربما لا ينبغي لسؤالنا أن يصاغ في صورة مفاضلة ساذجة بين وضوح محمود وغموض مذموم. فالفلسفة لم تكن، في أي لحظة من تاريخها، مجرد تمرين على البيان، كما أنها لا تستطيع أن تتحول إلى احتفاء مجاني بالالتباس. إن ما يقلق في بعض تجارب الفكر المعاصر ليس الغموض في ذاته، بل إمكانية أن يصبح الغموض بديلا عن العمل المفهومي، أو علامة تغني عن البرهنة بدل أن تستدعيها.
ومع ذلك، فإن المطالبة بوضوح كامل قد تخفي بدورها نزعة معيارية تفترض أن المعنى معطى جاهز، وأن مهمة اللغة تنحصر في نقله بأكبر قدر من الشفافية. والحال أن الفكر، حين يقترب من حدوده القصوى، لا يجد أمامه لغة مطواعة دائما، بل لغة يتعين عليه أن يعيد تشكيلها، بل أن "يخلخلها"، حتى وإن بدا ذلك للقارئ ضربا من المراوغة أو الإفراط الأسلوبي.
بين هذين الحدين يتحدد المأزق الحقيقي: كيف يمكن للفلسفة أن تظل وفية لدقتها المفهومية دون أن تختزل إلى خطاب تقني جاف، وكيف لها في الآن نفسه أن تغامر لغويا دون أن تنزلق إلى غموض معقم يستعصي على كل مساءلة؟ ليس ثمة معيار جاهز لحسم هذا التوتر، لأنه توتر ينتمي إلى صميم التجربة الفلسفية ذاتها، حيث لا يكون الوضوح دائما فضيلة، ولا يكون الغموض دائما نقيصة.






