رأي

أحمد الحطاب: السببُ الرئيسي في جمود البحث العلمي وعدم مساهمتِه في تنمية البلاد والعباد

عادةً البحث العلمي الذي تدور أطوارُه داخلَ الجامعات أو خارِجَها، هو الذي، بنتائجِه القابلة للتطبيق، يساهم في تنمية البلاد والعباد. وتنمية البلاد تعني أن مصدرَ هذه التنمية هو البحث العلمي الذي، بنتائجه القابلة للتطبيق، يكون سبباً في خلق المقاولات التي تُحدِث مناصب الشغل، بالتالي، البحث العلمي يُساهم في خفض نسبة البطالة. أما تنميةُ العباد، فالبحث العلمي في مختلف مجالات العلوم الإنسانية، هو المسئول عنها. كيف ذلك؟

كل إنسانٍ (رجال ونساء) عاقل وله بعدُ نظرٍ، إلا وله طموح. والطموح يتجلَّى، أساساً، في تحسين أو تطوُّرُ الشخصية الذاتية la personnalité propre من حسنٍ إلى أحسن. وتقدُّم العلوم الإنسانية هو الذي يضمن تطوُّرَ الشخصية من حسنٍ إلى أحسنَ. وتقدُّم العلوم الإنسانية رهينٌ بكثَافة البحث في مختلف مجالاتها. والبحث العلمي في مختلف مجالات العلوم الإنسانية، ضعيف جدا، إن لم نقل منعدِم في بعض الجامعات المغربية. فإذا كان البحثُ العلمي غيرَ ذي جدوى في مجالات العلوم الطبيعية les sciences naturelles والعلوم الدقيقة les sciences exactes، فما بالُك بالعلوم الإنسانية؟ والمقصود ب"غيرَ ذي جدوى"، هو أن البحثَ، في إطار هذه العلوم، يبقى أكاديمياً، أي غير مرتبطٍ بتنمية البلاد والعباد. فما هو "السببُ الرئيسي في جمود البحث العلمي وعدم مساهمتِه في تنمية البلاد والعباد"؟

قبل الجواب على هذا السؤال، هناك بعض التوضيحات لا بدَّ من إبرازِها لإدراك ما هو آتٍ في هذه المقالة.

في البلدان المتقدِّمة، علمياً وتِكنولوجياً، كالولايات المتَّحدة وكندا والاتحاد الأوروبي والدول الأسكندينافية واليابان وكوريا الجنوبية…، القطاع الخاص le secteur privé هو المُموَّل الرئيسي للبحث العلمي، سواءً في مجالات العلوم الطبيعية أو العلوم الدقيقة أو الإنسانية. مثلا، تمويل البحث العلمي في الدول المنتمِية إلى منظَّمة التعاون والتنمية الاقتصاديين OCDE، ومن ضمنها البلدان المشار إليها في هذه الفقرة، يفوق 60% من التمويل إلإجمالي. أما في اليابان وكوريا الجنوبية، فإن هذا التمويل يترواح بين 70 و75% من التمويل الإجمالي.

أما في البلدان الأفريقية التي ينتمي لها المغرب، ودول الشرق الأوسط، وعلى رأسها العالم العربي، فتمويل البحث العلمي، جزء كبير منه تضمنُه الموازنات العمومية les budgets publics، علما أن جزأً كبيراً من هذا التمويل، المُتراوِح بين 80 و 90%، يذهب إلى مرتَّبات الأساتذة الباحثين. والباقي، المتراوح بين 10 و 20%، هو التمويل الفعلي للبحث العلمي.

يُضاف إلى هذه الحقيقة أن القطاعَ الخاصَّ المغربي لا يستثمِر أموالَه في الصناعة التي تحتاج إلى براءات الاختراع les brevets d'invention القادرة على خلق المقاولات les entreprises التي تساهم في خلق الثروة ومناصب الشغل. بل إن أثرياءَ المغرب، وعلى رأسهم عثمان بنجَلّون وأخنوش والصفريوي… وآخرون يستثمِرون أموالَهم في قطاعات ليست في حاجة مُلِحَّة لنتائج البحث العلمي الجامعي. يستثمِرون أموالَهم في العقار والبناء وفي الأبناك والتِّجارة… وعندما يستثمِرون أموالَهم في مجالٍ صناعي، فإنهم يفضِّلون المشاريع الجاهزة أو المُتكامِلة les projets clés en main.

وتمويل البحث العلمي من طرف ميزانيات الدولة، إن كان ضرورياً، فهو غير مُجدي، أي يذهب سُدى ما دام لا يحرِّك عجلة الاقتصاد. وحتى إن توصَّلت بعض الجامعات إلى براءات الاختراع وتوصلت إلى حمايتِها لدى المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية l'Office Marocain de la Propriété Industrielle et Commerciale- ،OMPIC فإنها لا تملك البنيات التي تُمكِّن من نقل نتائج البحث العلمي من الجامعات إلى عالم المقاولات الخاص والذي، من المفروض، أن يكون هو المموِّل والمستفيد الرئيسي من نتائج البحث العلمي. لكن عالمَ المقاولات الخاص أو القطاع الخاص لا يثق، في البحث العلمي، المغربي الجامعي.

ولهذا، فنِسبة هذا التمويل بالمقارنة مع ما تُنتِجه البلاد من ثروة سنوياً، التي، في عالم الاقتصاد، تسمى "الناتِج الداخلي الخام"، le produit intérieur brut تبقى ضعيفة جدا. فلماذا هذه النسبة ضعيفة ولماذا القطاع الخاص المغربي لا يساهم في تمويل البحث العلمي إلا نادِراً؟

1.لأن التمويلَ العمومي، أولا، يذهب جزءٌ كبير منه لرواتِب الأساتذة الباحثين، الذين أغلبيتُهم الساحقة يمارسون التدريسَ فقط، ولا صلةَ لهم بالبحث العلمي وبتأطيره.

2.الباقي من التمويل العمومي، أي بعد صرف رواتب الأساتذة الباحثين، والمقدَّر ما بين10 و20%، فإنه يوزَّعُ، بالنسبة للجامعات المغربية، حسب أعداد الأساتذة الباحثين المنتمين لفِرَقِ ومُختَبَرات البحث.

3. القطاع الخاص لا يثِق في البحث العلمي الممارس في الجامعات المغربية ويعتبره نظريا (أكاديمياً) ولا علاقةَ له بالمشاكل التي يُعاني منها عالم المقاولات.

4.القطاع الخاص، إذا استثمر في الصناعة، فإنه يفضِّل ان تكونَ المشاريعُ التي يستثمِر فيها أموالَه، مُربِحةً وبسرعة. ولهذا، فإنه يختار المشاريع الجاهزة les projets clés en main التي يكون ربحُها مضمونا منذ نشأتِها.

5.القطاع الخاص لا يحب المُجازفة أو المخاطرة، أي يحبّ أن يستثمرَ أموالَه في مشاريعَ مضمونٌ نجاحُها ومضمونةٌ مردوديتُها. وهذا يعني أن القطاعَ الخاصَّ والمخاطرة عنصران لا يلتقيان. وهذا يعني، كذلك، أن القطاعَ الخاص لا يريد أن يُغامر بأمواله في مشاريع فيها خطورة. وهذا شيء منطقي ومقبول. فماذا يعني هذا التصرُّف الأناني الذي يضع مصالحَ القطاع الخاص فوق مصالح البلاد والعباد. 

هذا التَّصرُّف يعني أن عالَمَ البحث في وادٍ والقطاع الخاص في وادٍ آخر، ومحكومٌ عليهما أن لا يلتقيان. فما هو الحلُّ إذن؟

الحل هو إحداث تقارب بين الجانبين، أي القطاع الخاص والجامعات المغربية، كمراكِز للبحث العلمي. فما هي طرق إحداث هذا التقارب بين الجانبين؟

الجواب على هذا السؤال يكمن في الاستفادة من تجارب البلدان التي يتولى فيها القطاعُ الخاصُّ تمويلَ الجزء الكبير من البحث العلمي الذي تدور أطوارُه داخل الجامعات المغربية. يمكن تلخيص هذه الاستفادة في النقط التالية :

1.أول شيء يجب الإلحاحُ عليه، هو أن القطاعَ الخاص لا يعرف شيئاً اسمُه التضحية. فإذا استثمرَ درهماً واحدا، فإنه ينتظر دراهم. وهذا شيءٌ معقولٌ ومنطقي. لا أحد يحب الخسارة.

2.لكن المواطنة وحب الوطن يفرِضان على أغنياء المغرب أن يُعطوا الأسبقية أو الأولوية لتقدُّم البلاد وتطوُّرها وازدهارها، كما فعلت ذلك، البرزواجية la bourgeoisie في البلدان الغربية الأوروبية، في الماضي، حيث كانت، انطلاقاً من العصور الوسطى le moyen âge إلى حدود القرن التاسع عشر وبعده، المحرِّك الأساسي لتنمية القارة الأوروبية. حرَّكت الرأسمال لصالح البلاد والعباد وطوَّرت ما كان يسمى، آنذاك، التجديد التقني l'innovation technique (اليوم، التجديد التكنولوجي)، وسعت إلى تعميم الليبرالية الاقتصادية le libéralisme économique… وكل هذه الأعمال مرَّت عبرَ تمويل البحث العلمي داخلَ وخارجَ الجامعات. 

3.إنشاء شراكة un partenariat بين الجانبين، عبر اتفاقيات des conventions تبيِّن بوضوح ما سيربحه القطاع الخاص إذا موَّل البحث العلمي الجامعي. كما تبيِّن، بوضوحٍ، أن الجامعات، كالقطاع الخاص، خُلِقت من أجل تنمية البلاد والعباد. كما تبيِّن هذه الاتفاقيات أن تكامل الرأسمالَ وإنتاج المعرفة عبر البحث العلمي الجامعي ضروريان، ليس فقط للبلاد والعباد، بل للنهوض، في آن واحدٍ، بالقطاع الخاص وبالبحث العلمي.

4. وبما أن القطاع الخاص لا يؤمن إلا بالربح والربح السريع، وهذا كما سبق الذكر، شيءٌ معقول ومنطقي، فإن تمويلَه للبحث العلمي، سيجعله من المستفيدين من "التَّحفيزات الضريبية" les incitations fiscales، المعمول بها، دوليا وفي المغرب، في مجالات اقتصا.ية متعدِّدة كتشجيع المقاولات الوطنية والأجنبية على الاستثمار والتصدير. وقد بلغت هذه التَّحفيزات، المُسماة اقتصادياً "النفقات الضريبية"، سنةَ 2025 نسبةً قُدِّرت ب18,3% من المحصول الضريبي الإجمالي، أي ما مجموعُه 32,015 مليار درهم.

وفي الختام، كل مجهود تبدله الدولة للنهوض بالبحث العلمي، داخلَ أو خارجَ الجامعات، لن يُؤتِيَ أُكلَه إلا إذا توفرت لدى هذه الدولة إرادة سياسية قوية نابعة من حب الوطن ومن رؤيتِه مصنَّفاً عالمياً ضمن الأوائل، وفي جميع المجالات. إلى حدِّ الآن، هذه الإرادة السياسية غير موجودة لا عند الحكومات المتعاقبة على تدبير الشأن العام ولا عند الأحزاب السياسية. والدليل على ذلك، أحزابنا السياسية، أثناء حملاتِها الانتخابية، لا أثر للبحث العلمي فيها. وحتى الأسئلة المطروحة داخلَ البرلمان لا تُغني ولا تُسمن من جوع. بل إنها تكرِّس الواقعَ ولا تأتي بجديدٍ. إذ ليس هناك ولو برلماني واحد طرح الأسئلة الواجِب طرحُها، مثلا :

1.لماذا غابت الإرادة السياسية الكفيلة بالنهوض بالبحث العلمي؟

2.لماذا البحث العلمي الجامعي وغير الجامعي لا يساهم في تنمية البلاد وازدِهارِها؟

3.لماذا تمويل البحث العلمي ضعيف بالمقارنة مع دولٍ أخرى. مثلاً، إسرائيل تُنفق ما بين 4,5 و %4,7 من ناتجها الداخلي الخام، متفوِّقة على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا والدول الأسكندينافية واليابان وكوريا الجنوبية… علما أن إسرائيل تجني تِمارَ هذا الإنفاق، علمِياً وتكنولوجياً.

ألم تكن سبعون سنة التي مرت على استقلال المغرب، كافية لتوفير الإرادة السياسية القوية للنهوض بالبحث العلمي المغربي؟ أليس أساتذتُنا الباحثون والباحثون مثلُهم مثلَ جميع الباحثين في العالم، لهم عقولٌ يُفكِّرون بها، وقادرون على الإبداع والاختراع؟