هناك، حيث كانت الكلمات تُكتب دون مساحيق، والواقع يُقال كما هو، بلا تزيين ولا خوف، نستعيد اليوم 23 مارس… لا كذكرى، بل كحقيقة لا تزال تنبض.
في 23 مارس 1965، لم يكن الصباح عاديًا في الدار البيضاء.
المدينة التي اعتادت إيقاعها اليومي، استيقظت على وقع أقدام شابة خرجت من الفصول لا لتتمرد عبثًا، بل لتعلن أن الحلم حين يُحاصر داخل مذكرة إدارية، يتمدد خارج الجدران… في الشارع.
خرج التلاميذ والطلبة، وكان خروجهم أكبر من قرار. كان لحظة انكشاف: كيف يمكن لمذكرة بيروقراطية باردة أن تعيد رسم مصائر كاملة؟ كيف يتحول التعليم، الذي يفترض أن يكون أفقًا للإنصاف، إلى آلية صامتة للفرز والإقصاء؟ لم يكن الغضب تربويًا فقط، بل كان اجتماعيًا بعمق، لأن المدرسة في وجدان أبناء الفقراء لم تكن مجرد مقاعد، بل وعدًا بحياة أقل قسوة،وسلما للارتقاء الاجتماعي.
وسرعان ما التقطت الأزقة ذلك الوجع.
الأحياء الشعبية، التي تعرف جيدًا طعم التهميش، احتضنت الصوت. تمدد الغضب، واتسعت الأسئلة، وصار الشارع يطرح ما لم تجرؤ المؤسسات على طرحه: من يملك الحق في الفرصة؟ من يقرر من يستمر ومن يُقصى؟ ولماذا يُطلب دائمًا من الهامش أن يصمت؟
وتلك الأيام… لم تمر.
التصقت بالذاكرة كوشم لا يُمحى. عشتُ بعض مظاهرها في الدار البيضاء، وأنا طفل صغير لم يتجاوز الخامسة من عمره. لم أكن أفهم السياسة، لكنني كنت ألتقط ما هو أعمق: وجوه مشدودة، خوف يسكن الأزقة، وصراخ يكسر سكون المدينة. كنت أشعر أن شيئًا ما ينكسر… شيئًا أكبر من قدرة طفل على الفهم والاستيعاب، لكنه كافٍ ليزرع في داخله يقينًا مبكرًا بأن العدالة ليست كلمة سهلة.
ثم جاء الرد، كما يأتي دائمًا حين تضيق السياسة:
الدبابات بدل الإصغاء، والرصاص بدل الحوار. لم يكن ذلك مجرد تدخل أمني، بل لحظة فاضحة كشفت طبيعة العلاقة بين سلطة تخشى الأسئلة، ومجتمع بدأ يتعلم طرحها. سقط الضحايا، لكن ما سقط فعلًا هو وهم قديم: أن الخوف يمكن أن يكون أساسًا دائمًا للاستقرار.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الذاكرة بريئة.
23 مارس لم يتحول إلى تاريخ جامد، بل إلى مرآة. كلما تكررت الأسئلة نفسها، عاد ذلك الصباح ليهمس: الحقوق لا تُدار بمذكرات، والكرامة لا تُؤجل، والصمت ليس حلًا بل تأجيلًا للأزمة.
وإذا كان السرد يضيء المعنى، فإن الوقائع تختصر المشهد:
اليوم، ونحن نستعيد تلك الأيام المتوهجة، لا نكتبها بوصفها حنينًا، بل باعتبارها ضرورة. نكتبها من نفس الروح التي كتب بها الراحل خيرالدين، روحٍ لا تُجامل الواقع ولا تخشى تسميته باسمه. لأن الحقيقة، مهما أُخفيت، لا تموت… بل تؤجل فقط، ثم تعود، في لحظة غير متوقعة، لتفرض نفسها من جديد… لا لتستمر الاشياء كما هي.






