رأي

سعيد ناوي: من الملعب إلى المحاكم.. المغرب يقلب موازين نهائي إفريقيا

أثار قرار لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم القاضي اعتبار المنتخب السنغالي منهزمًا في نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 ومنح الفوز للمنتخب الوطني المغربي بنتيجة (3-0)، نقاشًا قانونيًا عميقًا يتجاوز مجرد نتيجة رياضية إلى إشكالية احترام قواعد الشرعية والانضباط داخل المنافسات القارية.

ومن هذا المنطلق، يقتضي تحليل هذا القرار اعتماد مقاربة قانونية أكاديمية تقوم على تصميم ثنائي يبرز، من جهة أولى، الأساس القانوني لأحقية المنتخب المغربي في التتويج، ومن جهة ثانية، مدى انسجام هذا التتويج مع مبادئ العدالة الرياضية واجتهادات محكمة التحكيم الرياضية. 

أولًا: الأساس القانوني لأحقية المنتخب المغربي في التتويج

إن تثبيت فوز المنتخب المغربي لا يمكن فهمه إلا من خلال تفكيك البناء القانوني الذي اعتمدته لجنة الاستئناف، والذي يقوم على التكييف السليم للوقائع وتطبيق النصوص التأديبية ذات الصلة.

1 - التكييف القانوني لسلوك المنتخب السنغالي

 انطلقت لجنة الاستئناف من مقتضيات المادة 82[1] من لوائح كأس أمم إفريقيا، التي تؤطر الأفعال الماسة بسير المباراة والانضباط العام. ويُفهم من قرارها أنها اعتبرت أن سلوك المنتخب السنغالي لا يدخل في مجرد الأخطاء العادية المرتبطة بالمنافسة، بل يرقى إلى مستوى الإخلال الجسيم الذي يمس بانتظام المباراة.

 ويُعد هذا التكييف جوهريًا، لأن القانون الرياضي يميز بين المخالفات البسيطة التي تُعالج بعقوبات فردية أو مالية، وبين الأفعال الخطيرة التي تمس جوهر المنافسة وتستوجب جزاءات تمس النتيجة ذاتها. وبذلك، فإن اعتبار السلوك المرتكب خطأً جسيمًا يشكل الأساس الذي يفتح المجال لتطبيق الجزاءات القصوى.

2 - مشروعية تطبيق عقوبة الهزيمة الاعتبارية

بناءً على هذا التكييف، انتقلت لجنة الاستئناف إلى تطبيق المادة [2]84، التي تخول لها إعلان هزيمة الفريق المخالف بنتيجة (3-0). ويُلاحظ أن هذه العقوبة لا تُطبق إلا في حالات استثنائية، حيث يكون الإخلال من الخطورة بحيث يفقد المباراة شروطها العادية.

ومن زاوية قانونية، فإن تطبيق هذه المادة يعكس احترامًا صارمًا لمبدأ الشرعية، إذ لم تلجأ اللجنة إلى اجتهاد خارج النص، بل استندت إلى مقتضى صريح يجيز لها اتخاذ هذا القرار. كما أن استعمال هذه الآلية في مباراة نهائية يعكس إرادة واضحة في حماية النظام العام الرياضي، حتى على حساب استقرار النتيجة الميدانية.

 حيث حددت بشكل واضح المادة 82 من لوائح الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم الحالات التي يُعتبر فيها الفريق مخالفًا، وهي الانسحاب من المنافسة أو عدم الحضور للمباراة أو رفض اللعب أو مغادرة الملعب قبل نهاية المباراة دون إذن الحكم.

 وفي جميع هذه الحالات، يكون الجزاء مباشرًا، وهو اعتبار الفريق منهزمًا وإقصاؤه نهائيًا من المنافسة، بمعنى آخر، هذه المادة لا تترك مجالًا واسعًا للتأويل؛ فهي تُصنّف السلوكيات التي تمس جوهر المنافسة، أي "خوض المباراة"، وتضعها في خانة المخالفات الجسيمة.

وتشكل المادة 84 مكملًا مباشرًا للمادة 82، فهي تحدد العقوبة التي تترتب على المخالفات المنصوص عليها في المادة السابقة. وفقًا لهذه المادة، يُسجل الفريق المخالف كخاسر بنتيجة (3-0)، ويتم إقصاؤه نهائيًا من المنافسة، مع إمكانية فرض عقوبات إضافية من قبل اللجنة المنظمة حسب طبيعة المخالفة. وبذلك يظهر التكامل بين المادتين بوضوح. فالمادة 82 تحدد الفعل المخالف، والمادة 84 تترجم هذا الفعل إلى عقوبة قانونية صارمة، ما يضمن احترام الانضباط وحماية نزاهة المنافسة.

 فهذا القرار يعكس نقطة جوهرية في قوانين "الكاف"، حيث لا يتم التعامل مع مثل هذه الحالات بمنطق النوايا، بل بمنطق "الفعل ونتيجته القانونية"، أي أن مجرد تحقق إحدى حالات المادة 82، يؤدي تلقائيًا إلى عقوبات المادة 84.

 إن قرار لجنة الاستئناف لم يكن اجتهادًا استثنائيًا، بل تطبيقًا حرفيًا ومنطقيًا لمنظومة قانونية متكاملة، تجعل من احترام خوض المباريات شرطًا أساسيًا لاستمرارية المنافسة.

 وبهذا، تحولت المادتان 82 و84 إلى الأساس القانوني الذي منح المغرب فوزًا رسميًا، وحسم واحدًا من أكثر الملفات إثارة في تاريخ كأس أمم أفريقيا.

 لذا، فإن تتويج المنتخب المغربي لا يُعد منحة إدارية، بل نتيجة قانونية مباشرة لتطبيق جزاء منصوص عليه، بعد ثبوت شروطه الواقعية والقانونية.

 ثانيًا: انسجام تتويج المنتخب المغربي مع مبادئ العدالة الرياضية

إذا كان الأساس القانوني يبرر القرار من حيث المشروعية، فإن تقييمه يكتمل من خلال مدى انسجامه مع المبادئ العامة التي تحكم القضاء الرياضي، كما كرستها اجتهادات محكمة التحكيم الرياضية.

 - 1 تكريس مبدأ حماية نزاهة المنافسة

 يُعد مبدأ نزاهة المنافسة من الركائز الأساسية في القانون الرياضي، إذ لا يُعتد بالنتيجة الرياضية إذا كانت قد تحققت في ظروف مشوبة بخلل جسيم. ومن هذا المنطلق، فإن تدخل لجنة الاستئناف لتعديل نتيجة المباراة لا يشكل مساسًا بروح الرياضة، بل على العكس، يُعد تكريسًا لها

 فالمباراة النهائية، بحكم رمزيتها، تقتضي احترامًا مضاعفًا للقواعد، وأي إخلال جسيم بها يبرر تدخل السلطة التأديبية لإعادة التوازن. وبذلك، فإن منح الفوز للمغرب يعكس إرادة حماية مصداقية المنافسة، وضمان أن التتويج لا يكون إلا في إطار احترام القانون

 2 - احترام مبدأ التناسب في توزيع المسؤوليات

 رغم إقرار لجنة الاستئناف بوجود بعض المخالفات المرتبطة بالجانب المغربي، إلا أنها ميزت بين طبيعتها ودرجة تأثيرها، واكتفت بفرض عقوبات مالية. ويعكس هذا التوجه تطبيقًا لمبدأ التناسب، الذي يقتضي أن تكون العقوبة متناسبة مع خطورة الفعل وأثره

 ففي حين اعتُبر سلوك المنتخب السنغالي مؤثرًا على سير المباراة بشكل جوهري، لم ترَ اللجنة أن الأفعال المنسوبة للجانب المغربي ترقى إلى نفس الدرجة. ومن ثم، فإن اختلاف الجزاءات لا يُعد تمييزًا، بل ترجمة لاختلاف المراكز القانونية

 وقد استقر اجتهاد محكمة التحكيم الرياضية على أن عقوبة الهزيمة الاعتبارية تظل مشروعة متى ثبت أن سلوك الفريق أخل بشكل خطير بانتظام المنافسة. كما تؤكد هذه الاجتهادات على ضرورة احترام الهيئات الرياضية لسلطتها التقديرية في تقييم الوقائع، ما لم يشب قرارها خطأ جسيم أو عدم تناسب واضح.

وفي ضوء ذلك، يبدو أن قرار لجنة الاستئناف ينسجم مع هذه المبادئ، مما يعزز من متانته القانونية في حال عرضه على جهة التحكيم الدولي.

 يتبين من خلال هذا التحليل أن أحقية المنتخب الوطني المغربي في التتويج بكأس أمم إفريقيا 2025 تستند إلى أساس قانوني متين، يقوم على التكييف السليم للوقائع والتطبيق الصحيح للنصوص التأديبية. كما أن هذا التتويج ينسجم مع مبادئ العدالة الرياضية، خاصة ما يتعلق بحماية نزاهة المنافسة واحترام مبدأ التناسب. وبذلك، فإن القرار الصادر عن لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم لا يمكن اعتباره مجرد إجراء استثنائي، بل هو تعبير عن سيادة القانون داخل المجال الرياضي، وتأكيد على أن احترام القواعد يظل الشرط الأساسي لأي تتويج مشروع. فالرهان لم يكن فقط تحديد الفائز، بل تكريس سيادة القانون الرياضي وضمان نزاهة المنافسة.

فبثبوت مخالفة جسيمة من طرف المنتخب السنغالي، وتوفر الشروط القانونية لتطبيق عقوبة الهزيمة الاعتبارية، يكون المنتخب المغربي قد اكتسب اللقب على أساس قانوني مشروع، ينسجم مع مبادئ الشرعية والتناسب والعدالة الرياضية.

فأحقية المغرب في التتويج ليست مجرد مسألة رياضية، بل هي أيضًا أحقية قانونية متكاملة الأركان. ومن المنتظر أن ترفض محكمة التحكيم الرياضية (TAS) أي طعن قد يقدمه الاتحاد السنغالي لكرة القدم، نظرًا لأن القرار صادر عن لجنة الاستئناف التابعة للكاف، والتي لها الاختصاص الكامل في البت في الطعن الذي تقدمت به الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. وقد استندت الجامعة في طعنها إلى خرق مقتضيات المادتين 82 و84 من القانون المنظم للمنافسة القارية، الذي يشرف عليه الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF)   

[1] إذا انسحب فريق من المنافسة لأي سبب، أو لم يحضر لخوض مباراة، أو رفض اللعب، أو غادر أرضية الملعب قبل نهاية المباراة دون إذن من الحكم، فإنه يُعتبر خاسرًا ويتم إقصاؤه نهائيًا من المنافسة الجارية. وينطبق نفس الحكم على الفرق التي تم استبعادها مسبقًا بقرار من الاتحاد الأفريقي لكرة القدم.

 [2] أي فريق يخالف مقتضيات المادتين 82 و83 يُقصى نهائيًا من المنافسة، ويُعتبر منهزمًا بنتيجة (3-0). وإذا كان الفريق المنافس متقدمًا بنتيجة أكبر عند توقيف المباراة، يتم اعتماد تلك النتيجة. كما يمكن للجنة المنظمة اتخاذ عقوبات إضافية عند الحاجة.