فن وإعلام

حكاية القائد الإسباني الأندلسي جودر الذي أُسر صغيراً وتربى في قصر السلطان المغربي وقاد الجيش في معركة تونديبي على نهر النيجر التي سحق فيها المغاربة إمبراطورية السونغاي

أحمد الدافري (إعلامي)

تقديم :

تستند هذه الحكاية التاريخية الواقعية إلى مادة أرشيفية نُشرت في "مجلة معلمي إفريقيا الغربية الفرنسية" (Journal des Instituteurs de l'A.O.F.)، في عددها السادس من السنة الثانية الصادر بتاريخ 3 دجنبر 1949. المجلة صدرت عن دار النشر "فيرنان ناتان" (Fernand Nathan) بباريس، وتتوزع تفاصيل هذه الملحمة العسكرية بين الصفحتين 111 و112.


الحكاية كما جاءت في المصدر المذكور في المقدمة:


لطالما كانت السيطرة على مناجم الملح في السودان سبب نزاع بين سلاطين مراكش عاصمة الدولة السعدية المغربية، وحكام غاو (Gao). 


هلكت حملة مغربية أولى قوامها 20 ألف رجل، زُج بهم في مغامرة مروعة، بسبب الحرارة، العطش، التعب، وغزوات الطوارق (Touareg)، قبل الوصول إلى تغازة (Teggaza). 


وقد أثبتت هذه التجربة المكلفة أن الصحراء لا يمكن عبورها إلا عبر فرق صغيرة من الرجال المدججين بالسلاح. 


في عام 1585، استولى 200 من رماة البنادق المغاربة على مناجم الملح دون توجيه ضربة واحدة.

وهكذا فُتح الطريق إلى مناجم الذهب وتم إرساء الطريقة الواجب اتباعها.


 وفرت طلبات المساعدة من مُدّعٍ من السونغاي (Sonraï) يزعم أنه الوريث الشرعي لمملكة غاو (Gao)، ذريعة للحرب.


 في عام 1590، انطلقت حملة عسكرية مغربية تحت قيادة الباشا جودر (Djouder).


 هذه المرة، لم يُدخر أي جهد لضمان النجاح. 


كانت القوات عبارة عن تشكيلات مختارة، جيدة التسليح والتدريب، تمثل نخبة الجيش المغربي.


كانت القوة المغربية المقاتلة تتألف من الأوروبيين، وتحديداً من الإسبان الأسرى أو اللاجئين المتطوعين. لقد تبرأ جميعهم من الديانة المسيحية واعتنقوا الإسلام، وكان يُطلق عليهم اسم "المنشقين" (Renégats). أما بقية الجيش فكانت تتكون من الحرس الأندلسي الشهير المكون من أبناء نبلاء المور (Maures) المطرودين من إسبانيا. وكان الجميع مسلحين بالبنادق (mousquets). في المجموع، 3000 رجل مجهزين جيداً، تم تأمين نقلهم بواسطة 1000 حصان و8000 جمل (مهاري).


أما جودر (Djouder)، وهو إسباني من مقاطعة غرناطة (Grenade)، فقد أُسر وهو طفل صغير وتربى في قصر السلطان المغربي. 

كان جودر وصولياً، وجريئاً، ويتمتع بشجاعة استثنائية رغم قصر قامته، وقد تمكن من الوصول إلى قيادة فيلق الموالي (corps des affranchis)، وعليه وقع اختيار السلطان المنصور .


كان الانطلاق الرسمي في نوفمبر 1590، وسط هتافات الجماهير وبحضور السلطان.


 استغرقت الرحلة خمسة أشهر. وكان المسار، الذي يتجاوز طوله 2000 كيلومتر، يعبر مناطق مرعبة من الصحراء الكبرى الجنوبية: الجوف (Le Djouf) وتنزروفت (Le Tanezrouft). 


في بعض الأماكن، كانت الآبار تفصل بينها مئات الكيلومترات، ولا توفر سوى مياه مالحة بكميات غير كافية غالباً. 


كانت أيام العبور المائة مروعة رغم تقسيم القافلة والعناية الممنوحة للمعدات. فقدت فصائل كاملة طريقها واختفت للأبد في تلك العزلات الموحشة، وتكالب الطوارق (Touareg) والأمراض على هؤلاء المغامرين. ولم ينقذ هذه الفرقة الصغيرة سوى قيامها بنهب قافلة أخرى.


 في مارس 1591، وصل جيش جودر إلى نهر النيجر (Le Niger)، وقد تقلص عدده إلى حوالي ألف مقاتل قادر على القتال.


لو قام الأسكيا إسحاق (Askia Issihak) بهجوم قوي يفاجئ به الغزاة المنهكين قبل أن يكملوا تجمعهم، لسحقهم بلا عناء.


 لكن بعض الطلائع التي أُرسلت لمراقبة الجيش المغربي أجبرت الباشا على اتخاذ قراره: فزحف جنوباً لمواجهة جيش السونغاي (Sonraï).


القراءة الأولى لمعركة تونديبي (Tondibi):


وقع الصدام في تونديبي (Tondibi) يوم 12 أبريل 1591. 

كان الأسكيا (Askia)، الذي أُبلغ بتسليح "المنشقين" (Renégats)، قد قرر حماية مقدمة قواته بقطيع من الأبقار، مخصص لتلقي النيران الأولى للبنادق. 

ومع ذلك، قبل القتال، جرت مفاوضات (1). 

كان من المفترض أن يثير 42000 إفريقي مدعومين بسلاح فرسان كثيف الرعب في نفوس جنود جودر (Djouder) الألف.

 لكن المفاوضات لم تنجح. كان على المغاربة أن ينتصروا أو يموتوا.

وكان حذر السونغاي (Sonraï) سبب هلاكهم.


 دُفعت الأبقار دون صعوبة نحو الفرقة الصغيرة من الرجال البيض، فتلقت الأبقار أول وابل من الرصاص.


 أصاب الضجيج الناجم عن إطلاق النار الأبقار بالذعر الشديد، فاستدارت فجأة واندفعت كموجة عاتية لا تقاوم نحو قوات الأسكيا (Askia)، فبقرت بطون الخيول، وسحقت الرجال، وأرعبت حتى أشد المقاتلين عزيمة.


لم يكن جودر (Djouder) بالرجل الذي يهمل مثل هذا الامتياز. فقد أطلق قواته المساعدة ضد السود المنهارين معنوياً، ودعمهم بنيرانه (2). 


كانت مجزرة حقيقية. 

أصيب المشاة بالرعب من الضجيج وآثار هذه الأسلحة الجديدة، لدرجة أن رجال المشاة (3) كانوا يمدون أعناقهم بأنفسهم لسكاكين خصومهم. 

فبرغم شجاعة الفرسان الأفارقة، أدى رعب الخيول المشلولة إلى شلل تام في الحركة. 

جُهز إسحاق (Ishaq) بالقوة للفرار من قِبل أقربائه، تاركاً في ساحة المعركة حرسه الشخصي، نخبة جيش السونغاي (Sonraï). هؤلاء كانوا قد أقسموا على تمائمهم (4) أن يموتوا دون تراجع. كان بعضهم قد ربط نفسه بالسلاسل للتعبير عن قرارهم. كان لا بد من قتلهم حتى آخر رجل. 

وطوال الليل، قام المغاربة المنتصرون بتشويه الجثث المتراكمة لانتزاع الخواتم والأساور الذهبية، شهادات الثقة التي منحهم إياها الأسكيا (Askia). 


مكن هذا الانتصار الساحق الجيش المغربي من الاستيلاء على الحواضر الكبرى: غاو (Gao)، وجيني (Djenné)، وتمبكتو (Tombouctou).


تقديم القراءة الثانية:

النص الثاني الذي نقدمه يصف حلقة من حرب الكمائن، التي كان على المغاربة المنتصرين خوضها لفترة طويلة ضد أحفاد إسحاق (Ishaq). 

جرت هذه الحادثة بلا شك في عام 1593. وهي مقتطف من كتاب "تاريخ السودان" (Tarikh-es-Soudan)، وهو عمل لأديب مسلم سوداني يُدعى عبد الرحمن السعدي (Abderrahman Saadi).


القراءة الثانية: كمين السونغاي (Sonraï)


ذات يوم، بينما كان الباشا يطارد نوح (5) (Nouha) [شقيق إسحاق وخليفته]، وصل مع قواته إلى منخفض شاسع وكبير.

 وبينما واصل المغاربة طريقهم، وصلوا إلى غابة كثيفة جداً (6) يقطعها الطريق.

 توقف الملازم العام با حسان (Ba Hassen)، الذي كان رجلاً فطناً وحذراً، بحصانه فجأة، فأرسل الباشا في طلبه (7). 

كان با حسان مغتاظاً، وبسبب غضبه (8)، وبخه الباشا بشدة واصفاً إياه بالجبن بكلمات قاسية، متسائلاً عن سبب توقفه.


عندما وصل با حسان (Ba Hassen) إلى الباشا، قال له: "والله، لو علمت أن شعرة واحدة في جسدي قد اضطربت خوفاً أو رعباً، لانتزعتها على الفور. لكن ما لا أريده هو تعريض قوات سيدنا السلطان لأي مفاجأة، ولا لأي خطر".

ثم أمر بإطلاق المفرقعات (fusées).

 وبمجرد القيام بذلك، شوهد رجال يخرجون من الغابة ويلوذون بالفرار. 

وقتل إطلاق نار كثيف عدداً كبيراً منهم. 

كان الأسكيا نوح (Askia Nouha) قد نصب بالفعل كميناً في هذه الغابة، لأنه كان يعلم أن الجيش المغربي لا يستطيع سلك طريق آخر. كان يأمل في الإيقاع بهم في هذا الفخ، لكن الله العلي القدير أحبط هذه المكيدة الغادرة والمشينة...

(مقتطف من تاريخ السودان Tarikh-es-Soudan)


أرقام الهوامش 

(تفسيرات القراءات):

(1) مفاوضات (Pourparlers): نقاشات جرت مع العدو.

(2) دعمهم بنيرانه: كان رماة البنادق يطلقون النار يميناً ويساراً لدعم القوات المساعدة وحمايتهم من أي هجوم جانبي.

(3) رجال المشاة (Hommes de pied): فانطاسيين.

(4) شهادات ثقة الأسكيا: هدايا من الأسكيا، الذين كانوا هم أصحابه المفضلين.

(5) نوح (Nouha): شقيق وخليفة إسحاق الذي عُزل، وقُتل محمد جاو في "تنتي" على يد المغاربة.

(6) غابة كثيفة: وقعت هذه الحادثة في منطقة "دندي" (Dendi) جنوب غاو (Gao).

(7) أرسل في طلبه (Envoya mander): أرسل من يبحث عنه.

(8) وبخه بغضب (Outré de colère): في حالة غضب شديد.

وهذا ما كان.