أخرج ياسين من حقيبته هاتفه الذكي، ومرر أصابعه على شاشته في سرعة قلقة، يتنقل بين الأخبار والتعليقات والصور، كمن ينقب في ركام الضجيج عن بارقة تخصه، أو عن إشارة تطمئنه إلى أن هذا البلد ما يزال يتسع لأحلام أمثاله. لكنه، بعد لحظات، زفر في ضيق، وألقى الهاتف فوق الطاولة، ثم رفع عينيه إلى الجريدة. كان عنوانها العريض يتحدث عن مؤتمر حزبي جديد، وعن سباق محموم نحو الأمانة العامة، وعن أسماء تتكرر حتى يخيل إلى القارئ أن السياسة في هذا البلد لا تلد جديدا، بل تعيد إنجاب الوجوه نفسها في كل موسم، ثم تكسوها خطابات جديدة وتدفع بها إلى المنابر نفسها.
حدق ياسين في الصورة المرفقة، فرأى رجالا ببدلات أنيقة وإبتسامات محسوبة، يتزاحمون على منصة مضاءة، كأنهم لا يتنافسون على خدمة الناس، بل على ميراث قديم لا يريدون أن يقتسموه مع أحد. وكان إلى جواره رجل مسن من أبناء الحي، يضع طربوشا صوفيا قديما، ويتابع المارة في الزقاق بعينين حفظتا من الدنيا أكثر مما قالت الألسنة. إلتفت إليه وقال: ما بك يا ولدي؟ أراك غاضبا كأنك تخاصم الدنيا بأسرها.
إبتسم ياسين إبتسامة قصيرة، وقال وهو يشير إلى الجريدة: لست أخاصم الدنيا يا عمي، وإنما أحاول أن أفهم لماذا يصرون، في كل مرة، على دعوتنا إلى بيت لا يريدنا. هذه الأحزاب ليست لنا. هذه بنيت للمناصب، وللتحالفات، وللوجوه التي لا تغادر الواجهة، ولو هرمت الشعارات وتآكلت الكلمات.
سكت الرجل قليلا، ثم قال: لا تقل هذا. البلاد لا تصلح إلا بأبنائها، والشباب هم أملها. فإذا إنصرفوا عنها بقيت لمن لا يستحقها.
أسند ياسين ظهره إلى الكرسي، وأرسل بصره إلى الزقاق، حيث كان صبي صغير يركض خلف كرة مهترئة، وإمرأة تحمل قفة ثقيلة، وعامل بسيط يسحب تعبه في خطوات بطيئة. ثم قال بصوت هادئ يوشحه وجع كثيف: أنا لا أنصرف عن بلدي يا عمي، أنا أنصرف عن الكذب. هم يتحدثون عن الإصلاح تحت الثريات، ونحن نفتش هنا عن شغل يحفظ ماء الوجه، وعن كراء لا يلتهم نصف الأعمار، وعن كرامة لا تمد يدها لأحد. كيف تريدني أن أصدق من لا يعرف عنا إلا عدد الأصوات التي نحملها في موسم الإنتخابات؟
كان ياسين إبن الخامسة والعشرين، طالبا في كلية الآداب بالرباط، ومنحدرا من حي شعبي في سلا، من تلك الأحياء التي تعرف الناس بأسمائهم قبل أن تعرفهم أوراق الإدارة. هناك نشأ بين جدران متعبة، ونوافذ نصف مفتوحة على الفقر ونصف مغلقة على الحياء. وكان يشعر، كلما عاد إلى الحي بعد يوم طويل من الدراسة، أن المدينة تخبئ في تفاصيلها رسائل مشفرة، كتبت عن الذين يعيشون على الهامش، ويحلمون في السر، ويبتسمون رغم كل شيء.
وفي المساء، كان يلتقي أصدقاءه في مقهى قريب من باب الحومة. يتحدثون عن مباريات الرجاء والوداد، وعن فيديوهات تيك توك، وعن الهجرة إلى إسبانيا، وعن إبن الجيران الذي ركب البحر ولم يعد، وعن الغلاء الذي صار يدخل كل بيت بلا إستئذان. أما السياسة، فكانت تحضر بينهم بوصفها خيبة قديمة، أو بابا صدئا جربوا طرقه فلم يفتح. وكان أيوب يقول دائما: الأحزاب ولات غير دكاكين إنتخابية. وكان سفيان يضيف ساخرا: الوجوه كتهاجر من حزب إلى حزب أكثر مما تهاجر الأفكار من رأس إلى رأس.
وذات ليلة، دعاه خاله إلى حضور لقاء حزبي صغير في سلا. ذهب معه على مضض، فلما دخل القاعة رأى الوجوه نفسها، والخطابات نفسها، والهمسات نفسها عن اللوائح والتزكيات والمقاعد. رأى الكبار يتدافعون على القرار، ورأى الشباب موزعين على الأطراف، يصفقون أكثر مما يقترحون. عندها قال في نفسه: هنا لا مكان لنا. هنا يريدوننا زينة، لا شركاء.
خرج مثقلا بخيبة حادة، وعاد إلى بيته، وجلس قرب النافذة، ثم كتب على هاتفه: الشباب في المغرب لا يعزفون عن السياسة، بل يعزفون عن الساسة الذين أفسدوا معناها.
وفي صباح اليوم التالي، صار المنشور شرارة صغيرة. إجتمع حوله أصدقاؤه، وتحدثوا لا عن الشكوى، بل عن الفعل. إقترحوا مبادرة شبابية لخدمة الحومة: تنظيف الأزقة، ودعم التلاميذ، ومساعدة بعض الأسر، وخلق فضاء بسيط للحوار والعمل. مر الرجل المسن، فتأملهم، وقال: هذا هو العمل الذي ينفع الناس. لكن، لم لا تحاولون تغيير الأحزاب من الداخل؟
رفع ياسين عينيه إليه، وقال في هدوء من عرف موضع الجرح: لأنها لا تفتح أبوابها لنا إلا حين تحتاج إلينا، ولا تسمعنا إلا حين تريد أن تتزين بنا. نحن لا نهرب من الشأن العام، لكننا نريد طريقا نظيفا، ونريد أن نبني ثقتنا بأنفسنا أولا.
ومضى الرجل ببطء، وبقي ياسين ورفاقه في مكانهم، يخططون ويختلفون ويضحكون، كأنهم إنتزعوا من قلب الخيبة فسحة صغيرة للأمل. ولم يتغير كل شيء في لحظة، لكن شيئا خفيا كان ينمو في الداخل. كان الأمل يشق طريقه في قلوبهم مثل نبتة برية خرجت من شق صخرة، مؤمنة أن المطر، مهما تأخر، لا بد أن يأتي، وأن هذا البلد لا بد أن يفتح ذات يوم بابا يليق بشبابه.






