فن وإعلام

الإعلامية عزيزة حلاق تحول الكتابة إلى أثرٍ في ذاكرة "أكتب لأبقى"

حسن الوزان

صدر حديثًا عن منشورات النورس كتاب "أكتب لأبقى" للإعلامية والكاتبة المغربية عزيزة حلاق، وهو عمل يجمع بين المقالة التأملية والسيرة الفكرية، ويقدم للقارئ نصوصًا تنبض بتجربة إنسانية ومهنية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود في مجال الصحافة والكتابة. الكتاب ليس مجرد تجميع لمقالات متفرقة، بل محاولة واعية لالتقاط مغزى ما يحدث وسط التحولات المتسارعة التي يعيشها الإنسان والمجتمع. المغرب في سياق عالمي مأزوم.

تكتب عزيزة حلاق في هذا الكتاب انطلاقًا من موقع الشاهدة على زمنٍ مغربي عرف تحولات سياسية وإعلامية وثقافية عميقة. ومن خلال نصوصها، تستعيد لحظات من الذاكرة الشخصية والمهنية، وتفتح باب التأمل في قضايا الحياة اليومية، وفي العلاقة المعقدة بين الفرد والمجتمع، وبين السلطة والحرية، وبين الذاكرة والواقع.

يقوم الكتاب على أسلوب يجمع بين البساطة والعمق؛ لغة واضحة تقترب من القارئ دون أن تتخلى عن بعدها الفكري. ففي كل نص تحضر التجربة الإنسانية بوصفها مادة للتفكير. وتتحول الحكايات الصغيرة إلى مدخل لطرح أسئلة أكبر تتعلق بالزمن، والقيم، والتحولات التي يعرفها المجتمع.

من بين النصوص التي يتضمنها الكتاب تأملات في الطفولة والذاكرة، وشهادات عن تجربة العمل الصحفي، ومواقف إنسانية كشفت للكاتبة هشاشة الصور التي نصنعها عن الأشخاص أو عن أنفسنا. كما يتوقف الكتاب عند لحظات تاريخية وسياسية عاشها المغرب، ويستعيدها من زاوية إنسانية قريبة من تفاصيل الحياة اليومية.

تكتب عزيزة حلاق بصيغة "الأنا"، لكنها "أنا" منفتحة على الآخرين، تحاول أن تفهم العالم أكثر مما تحاول أن تفسره. لذلك تبدو نصوص الكتاب كأنها حوار هادئ مع القارئ، حيث تتقاطع التجربة الشخصية مع الأسئلة العامة التي تشغل الإنسان المعاصر.

ولا يخفي الكتاب أيضًا حسًا نقديًا واضحًا تجاه بعض مظاهر التحول في الإعلام والمجتمع، خصوصًا ما يتعلق بسطحية الخطاب الإعلامي وانتشار "صحافة التفاهة". ومع ذلك، تحافظ الكاتبة على نبرة متوازنة تمزج بين النقد والتأمل، وبين الحنين إلى قيم الماضي والوعي بضرورة الانفتاح على المستقبل.

يطرح كتاب "أكتب لأبقى" فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن الكتابة ليست مجرد فعل توثيق، بل محاولة لترك أثر في العالم. فالإنسان، كما توحي الكاتبة، لا يبقى بما يملك، بل بما يكتب، وبما يتركه من أفكار وأسئلة ومعانٍ في ذاكرة الآخرين.

بهذا الأفق، يمكن قراءة هذا الكتاب كرحلة في الذات وفي الزمن معًا؛ رحلة تحاول أن تستعيد المعنى وسط ضجيج الحياة، وأن تؤكد أن الكلمة الصادقة قادرة دائمًا على أن تفتح نافذة للتفكير، وربما… للبقاء.