ويل لمن أشارت إليه اﻷصابع ..!
ويلٌ لمن أشارت إليه الأصابع، لا لجرمٍ اقترفه، بل لكلمةٍ أُطلقت في الهواء فاستقرت في العقول كأنها حقيقة. الإشاعة لا تحتاج إلى دليل، يكفيها أن تُقال لتبدأ رحلتها في التشكل والتضخم، حتى تغدو واقعًا موازياً للحقيقة، بل قد تطغى عليها. هَبْ أن شخصًا ما طاردته إشاعة بوفاته؛ أينما حلّ وارتحل، وجد من ينعاه أو يستغرب “عودته إلى الحياة”! يتحول وجوده ذاته إلى موضع شك، ويصبح ضحيةً لصورةٍ ذهنيةٍ رسمها الآخرون، لا لحقيقةٍ يعيشها. هكذا، قد تُميت الإشاعة إنسانًا وهو حيّ، وتدفنه تحت ركام الظنون.
الإشاعة كسلاح
ولم تكن الإشاعة يومًا مجرد حديث عابر؛ بل كانت، ولا تزال، سلاحًا خطيرًا في الحروب. فكم من حقيقةٍ اغتيلت لأنها لم تصمد أمام سيلٍ من الأخبار المضللة! أحيانًا، كلما كبر حجم الإشاعة واتسع انتشارها، ازداد الناس تصديقًا لها، وكأن الكثرة تمنحها شرعية. بل إن المفارقة المؤلمة تكمن في أن الحقيقة نفسها قد تتحول، وسط زحام الإشاعات، إلى مجرد “إشاعة” تُقابل بالشك والريبة. هنا، لا تُهزم الحقيقة لضعفها، بل لقوة الضجيج الذي يحجبها.
الفوضى الخلاقة والإشاعة
وترتبط الإشاعة ارتباطًا وثيقًا بما يُعرف بـ”الفوضى الخلاقة”، حيث يُغذّى تضارب الأخبار وتناقضها لخلق حالة من الارتباك العام. حين تتعدد الروايات وتتناقض، يفقد الإنسان قدرته على التمييز، فيستسلم للتضليل، أو يختار ما يوافق ميوله. وهنا، لا يكون الهدف إقناع الناس بحقيقة معينة، بل تشويشهم حتى يعجزوا عن الوصول إلى أي حقيقة. إن الإشاعة، حين تُستخدم بهذا الشكل، ترسّخ مفهوم التضليل كواقعٍ يوميّ، وتُفرغ الوعي من قدرته على النقد والتمحيص.
توظيف الإشاعة من قبل الزعماء
وقد أدرك بعض الزعماء وقادة الحروب خطورة هذا السلاح، فوظفوه بذكاءٍ في استهداف النفوس قبل الميادين. فالكلمة قد تُضعف جيشًا، وتُحبط شعبًا، وتزرع الشك في القلوب. ومع دخول وسائل التواصل الاجتماعي، تضاعفت قوة الإشاعة أضعافًا؛ لم تعد تحتاج إلى وقتٍ لتنتشر، بل يكفي ضغط زر لتصل إلى الملايين. وهكذا، أصبحت الإشاعة أكثر سرعةً وانتشارًا، وأشد تأثيرًا، حتى باتت تنافس الحقيقة في حضورها، بل وتتغلب عليها أحيانًا.
الحيرة وسط طوفان اﻷخبار
وأمام هذا الطوفان من الأخبار، يقف الإنسان حائرًا: أيها يحمل قدرًا من الموضوعية والحياد والمصداقية؟ هل توجد حقًا مصادر إخبارية محايدة؟ أم أن كل مصدر يحمل، بشكلٍ أو بآخر، توجهًا أو مصلحة؟ إن التمييز بين “المحايد” و”الموالي” لم يعد أمرًا يسيرًا؛ إذ يتطلب وعيًا نقديًا، وقدرة على التحقق، ومقارنةً بين مصادر متعددة، وعدم الانسياق وراء العناوين الجذابة أو الأخبار المثيرة.
الإشاعة تكره التساؤل
إن الإشاعة ليست مجرد خبرٍ كاذب، بل ظاهرةٌ قادرة على تشكيل الوعي، وتوجيه الرأي العام، وتدمير الأفراد والمجتمعات. لذلك، فإن مواجهتها لا تكون بالصمت أو التلقي السلبي، بل بالتحقق، والتفكير، والوعي. فكما أن الإشاعة تبدأ بكلمة، فإن مقاومتها تبدأ بسؤال: هل هذا صحيح؟ .






