مجتمع وحوداث

الأكباش ضحّت بالمغاربة في صراط غير مستقيم

محمد الطالبي

سبق أن كتبت مقالًا حول هذا الموضوع، وكنت أعتقد أن حجم الألم والاختناق الاجتماعي الذي رافق “معركة الأضحية” قد قيل فيه ما يكفي، لكن ما وقع كان أكبر من مجرد مناسبة عابرة، وأعمق من نقاش موسمي ينتهي بانتهاء العيد.

إنه أمر جلل ستبقى تداعياته موشومة في ذاكرة المغاربة ووجدانهم الجماعي، لأن شعبًا كاملًا جرى دفعه، بفعل فاعل، إلى التحول من محتفل بالعيد إلى ضحية له، ومن فاعل اجتماعي إلى “أضحية” جديدة داخل آلة تحكم بلا قلب، لا ترى في المواطن سوى رقم للاستهلاك ومادة لاستنزاف ما تبقى من قدرته على الصبر والتحمل.

لقد صار المواطن المغربي يعيش تحت ضغط دائم، حتى تحول العيد نفسه إلى صراط ثقيل يعبره بالخوف والديون والقلق، لا بالطمأنينة والفرح، بل إن المأساة الحقيقية أن الأمر لم يعد مرتبطًا بالعيد فقط، فكل الأيام أصبحت صراطًا غير مستقيم، مليئًا بالغلاء والإذلال والخذلان، داخل واقع يزداد قسوة وانفصالًا عن أبسط حاجات الناس وأحلامهم الصغيرة في العيش بكرامة.

وما يؤلم أكثر أن هذا الخراب لم يكن قدرًا محتومًا، بل نتيجة تراكمات من العبث السياسي والدجل الاجتماعي واستغلال الدين والخوف الجماعي، حتى صار المواطن محاصرًا بين سلطة السوق، ونفاق المجتمع، وصمت السياسة، وخطابات لا تنتج سوى المزيد من الوهم والتعب.

وسيتذكر آلاف المغاربة أنهم باعوا أغراضهم البسيطة، واستدانوا، ورهن بعضهم ما يملكون فقط من أجل “سنة” مختلف حول شروطها وسياقاتها، ومن أجل إرضاء هوس اجتماعي غذّاه بعض رجال الدين أو المحسوبين عليه، بينما الدين منهم براء.

هؤلاء لم يملكوا شجاعة قول الحقيقة للناس: لا يجوز أن نحرق الإنسان والوطن والأسرة من أجل طقس ديني يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه عند الضرورة، دون أن ينقص ذلك من إيمان الناس أو من قيمة التضحية في معناها العميق.

فالفداء في جوهره ليس الدم ولا الذبح، بل الرحمة والتيسير والتضامن وصون كرامة الإنسان.

لقد تحولت الأضحية عند كثيرين من مناسبة للتكافل والفرح إلى سباق استهلاكي مجنون، يُقاس فيه الإيمان بحجم الكبش وثمنه، لا بصدق الرحمة ولا بعمق المعنى الروحي.

وأصبح الفقير مطالبًا بأن يجوع عامًا كاملًا أو يغرق في الديون فقط حتى يشتري حقه في القبول الاجتماعي، وسط صمت سياسي وديني مخيف، وكأن كرامة المواطن صارت تفصيلًا ثانويًا داخل هذا العبث الجماعي.

وسيتذكر المغاربة أيضًا، ولسنوات طويلة، أن حكومات وسياسيين خذلوهم في لحظات القهر والضيق، وانفصلوا عن الواقع الحقيقي للمواطن المغربي، حتى بدا وكأنهم يعيشون في بلد آخر لا يعرف الغلاء ولا الانكسارات اليومية التي تنهك الأسر.

لقد اختار كثير منهم لعب دور الكومبارس داخل مسرح سياسي مترهل، يكرر الشعارات نفسها ويبيع الأوهام نفسها، بينما كانت الثقة الشعبية تنهار بصمت وغضب.

فلا الخطابات الرسمية استطاعت إقناع الناس، ولا جيوش التبرير نجحت في إخفاء حجم الأزمة الاجتماعية والنفسية التي يعيشها المغاربة.

لأن الحقيقة كانت أوضح من كل حملات التجميل: شعب يُرهق بالغلاء، ويُدفع نحو الاستدانة خوفًا من نظرة المجتمع، ثم يُطلب منه أن يصفق للنجاحات الوهمية وللسياسات التي لم تعد تلامس واقعه ولا تحترم معاناته.

وفي ظل هذا الزخم وهذه الفضيحة الاجتماعية والأخلاقية، لن يستقيل أحد، وربما لم تعد الاستقالة ذات معنى أصلًا، لأن الأزمة أعمق من مجرد أشخاص أو مناصب.

فالمشكل الحقيقي أن كثيرًا من هذه الوجوه فقدت مبرر وجودها السياسي والأخلاقي منذ زمن، بعدما تحولت السياسة عندها إلى مهنة بلا فكر، وإدارة بلا إحساس، وخطاب بلا روح.

ولهذا يصبح واجبًا على خطاب الوعي والتقدمية أن ينفض عنه الغبار، وأن يستعيد دوره المسلوب، وأن يقف شامخًا في وجه الدجل السياسي والنفاق الاجتماعي، لا أن يتحول بدوره إلى مجرد ملحق باهت داخل منظومة تبرر الفشل وتعيد إنتاجه.

فلا سياسة بدون فكر، ولا معنى لفكر يعيش تحت جبة الانتهازيين وتجار الشعارات والمستفيدين من بؤس الناس وخوفهم.

إن المغاربة اليوم لا يحتاجون إلى مزيد من الخطب الجوفاء ولا إلى صناعة أوهام جديدة، بل إلى خطاب صادق يعيد الاعتبار للعقل والكرامة والعدالة الاجتماعية، ويحرر الدين من الابتزاز، والسياسة من الرداءة، والمواطن من الشعور الدائم بالعجز والإهانة.

لأن ما بُني على التزييف والدعاية والاستعراض لا يمكن أن يصمد إلى الأبد، فالشعوب قد تصبر طويلًا لكنها لا تنسى من تخلى عنها حين كانت تبحث فقط عن الرحمة والصدق والكرامة.

ولهذا تبدو الرواية التي يحاول البعض تسويقها اليوم آيلة للسقوط حتمًا، لأن الواقع أقوى من البلاغات، وأقسى من الشعارات، ولأن الأوطان لا تُبنى بالطقوس الفارغة ولا بالمؤثرات السياسية، بل بالوعي والعدالة واحترام الإنسان.