مجتمع وحوداث

لافارج والتحالف الشيطاني مع الإرهابيين في سوريا

الحسن زاين
​لم تكن الإدانة التي أصدرتها محكمة باريس يوم الإثنين ضد شركة "لافارج" لصناعة الإسمنت مجرد حكم قضائي تقني في ملف تجاري، بل جاءت كصفعة قوية كشفت الوجه الشاحب لما يُسمى "الحضارة الغربية" حينما تصطدم بمصالحها المادية. 

لقد أثبت القضاء الفرنسي تورط عملاق الإسمنت في تمويل تنظيمات إرهابية، وعلى رأسها "داعش" و"جبهة النصرة"، لضمان استمرار دوران عجلات مصانعها في شمال سوريا بين عامي 2013 و2014، وهو ما يكرس القاعدة الشيطانية التي تنتهجها القوى الكبرى: الربح فوق الدماء، والاستنزاف قبل المبادئ.

​إن تفاصيل القضية التي انتهت بحكم تاريخي يقضي بسجن الرئيس التنفيذي السابق برونو لافون لست سنوات نافذة، تكشف عن نمط استعماري حديث يتجاوز حدود سوريا ليشمل خارطة الدول العربية والإفريقية. فالمبلغ الذي ضخته الشركة، والذي تجاوز 5.5 مليون يورو في جيوب التنظيمات المتشددة، لم يكن مجرد "ثمن للحماية" كما يزعم البعض، بل كان وقوداً مكن هذه المنظمات من السيطرة على الموارد الطبيعية وتوسيع رقعة جرائمها، ليس فقط داخل المنطقة العربية، بل وصولاً إلى قلب أوروبا التي تدعي محاربة الإرهاب في العلن وتغذي مختبراتها "شياطينه" في الخفاء.

​هذه الإدانة تضعنا أمام الحقيقة المرة التي تحاول "الحداثة المزعومة" مواراتها؛ فخلف الشعارات البراقة عن حقوق الإنسان والديمقراطية، تختبئ عقلية استنزافية لا تجد غضاضة في التعاون مع الميليشيات الطائفية أو الحركات الانفصالية إذا كان الثمن هو الاستحواذ على الثروات النفطية والمعدنية.

 قصة لافارج في سوريا هي نموذج مصغر لمشهد أكبر يتكرر في كل صراع مفتعل، حيث يتم تدمير الأوطان ونشر الحروب لتسهيل تجارة الأسلحة، وحتى المتاجرة بالبشر وأعضاء الأطفال، في ظل صمت مريب من المؤسسات التي تدعي رعاية الحضارة الإنسانية.

​إن فرض الغرامات المالية القصوى على الشركة وإرسال مسؤوليها إلى السجن خلف القضبان، وإن بدا انتصاراً متأخراً للعدالة، إلا أنه يظل اعترافاً ضمنياً بأن المنظومة الرأسمالية الكبرى مستعدة للتحالف مع أقذر القوى الإرهابية لضمان تفوقها المالي. 

 إن ما حدث في سوريا لم يكن خطأً إدارياً، بل كان تجسيداً صارخاً للوجه الآخر لليبرالية المتوحشة التي تقتات على جراح الشعوب المنكوبة وتصنع من الإرهاب شريكاً تجارياً حين تقتضي الحاجة.