سياسة واقتصاد

برلمان العائلات وإشكالية التمثيلية السياسية في المغرب

فؤاد عبد العالي
إن توصيف برلمان العائلات ليس من باب الاستعارة بقدر ما هو مدخل أساس لفهم وتحليل بنية اجتماعية مركبة، حيث تتقاطع التمثيلية السياسية مع عنصر القرابة داخل الحقل السياسي. فالمؤسسة التشريعية في المغرب، ممثلة في مجلس النواب ومجلس المستشارين، تُقدَّم دستوريا بوصفها فضاء يجسد الإرادة الشعبية، غير أنها تكشف أن هذا الفضاء لا يشتغل فقط بمنطق التمثيلة الديمقراطية، بل أيضا بمنطق إعادة إنتاج النفوذ داخل عائلات تمتلك امتدادا تاريخيا واجتماعيا في المجال الانتخابي، حيث يصبح الانتماء لعائلة بعينها المحدد الرئيسي وغير المعلن للوصول إلى قبة البرلمان.

يجد هذا التحليل أساسه النظري في تصور "بيير بورديو" للحقل السياسي، حيث يعتبره مجالا غير متكافئ تتوزع داخله أشكال مختلفة من رأس المال. في السياق المغربي، يبرز رأس المال الاجتماعي الرمزي المرتبط بالاسم العائلي كعنصر أساس في بناء الشرعية السياسية، حيث تتحول العائلة إلى وسيط لإنتاج الثقة وضمان الاستمرارية. وبهذا المعنى، لا تعمل الانتخابات فقط كآلية لاختيار النخب، بل كآلية لإعادة إنتاجها ضمن بنية تسمح بتوريث غير مباشر للنفوذ السياسي، حيث يتقدم الإسم العائلي أحيانا على البرامج الانتخابية والكفاءات في تحديد فرص النجاح الانتخابي.

كما يتيح تصور "ماكس فيبر" حول السلطة الباتريمونيالية (patrimonial authority) فهم أعمق لهذا التداخل بين ما هو حداثي وما هو تقليدي داخل الدولة. رغم أن النظام السياسي يقوم على الشرعية القانونية، إلا أن أنماطا من الشرعية التقليدية القائمة على القرابة والولاء ما تزال تؤثر في دينامية التمثيل السياسي. هذا التعايش لا ينتج توازنا بين نموذجين، بل يعري بنية هجينة تعمل وفقها المؤسسات جزئيا بمنطق العلاقات الشخصية، حيث تتداخل الضوابط القانونية بالروابط الاجتماعية في تحديد مسارات التسلق السياسي.

وتتجلى هذه البنية بشكل أوضح داخل الأحزاب السياسية، التي عوض أن تشكل فضاء لإنتاج النخب وتجديدها، فإنها تعاني في حالات متعددة من ضعف الديمقراطية الداخلية. فمسارات الترشح لا تخضع دائما لمعايير التنافس الشفاف، بقدر ما تتحدد بموازين قوة داخلية وبشبكات ولاء، ما يسمح للعائلات السياسية بالاستمرار داخل التنظيمات الحزبية نفسها. والنتيجة لذلك هي إيصاد كل الأبواب أمام الفاعلين الجدد، خاصة الشباب، ويتقلص أفق التداول السياسي، بحيث تتحول السياسة من مجال مفتوح للترقي الإجتماعي إلى مجال يعيد توزيع نفس المواقع بين دوائر مغلقة ومحدودة.

لا يمكن تفسير هذه الظاهرة بكونها خاصية مغربية صرفه، لكنها تأخذ في السياق المغربي طابعا أكثر كثافة بسبب تداخل عوامل متعددة، من بينها عدم استقلالية الحقل السياسي، وارتفاع كلفة المشاركة السياسية، واستمرار ثقافة انتخابية يكون فيها للإسم العائلي والرمزية المحلية وزنا كبيرا. 

لهذه الأسباب، يصبح العزوف السياسي نتيجة حتمية للشعور بعدم تكافئ قواعد التنافس، وأن فرص الوصول إلى القرار محدودة ومحددة سلفا، مما يزيد من فقدان الثقة في الممارسة السياسية ويعيد إنتاج علاقة مشروطة بالانتماء العائلي، بدل علاقة قائمة على الاختيار الحر والتنافس المفتوح.