لا يمكن فهم الانتقال من نقد فكر التسوية إلى تجويد آلية التفاوض دون الوقوف عند البنية العميقة للتمثلات التي حكمت هذا المسار، حيث لم يكن النقاش مجرد اختلاف حول الخيارات السياسية، بل صراعاً على المعاني نفسها. فقد تَشكَّل، داخل الوعي الجمعي، نوع من التماهي بين مفاهيم يفترض أنها متمايزة: بين التسوية والمساومة، وبين المراجعة والاستسلام. وهو تماهي يعكس، في جوهره، أزمة ثقة وأزمة شرعية أكثر مما يعكس التباساً لغوياً بسيطاً.
في لحظته الأولى، ارتبط نقد فكر التسوية بسياقات ما بعد الاستعمار وتعزز في ظل اختلال ميزان القوى دولياً، حيث تم النظر إلى التسوية باعتبارها تعبيراً عن الخضوع لإكراهات النظام الدولي، أو كآلية لإعادة إنتاج الهيمنة بدل تفكيكها. وقد غذّت هذا التصور سرديات نضالية جعلت من الرفض قيمة في حد ذاته، فاختزلت الفضاء السياسي في ثنائيات حادة من قبيل: صمود/خيانة، مقاومة/تفريط. داخل هذا الأفق، لم تعد التسوية تُفهم كأداة ممكنة لتدبير النزاع، بل كمرادف للمساومة، أي كصفقة على حساب الحقوق. وبالمثل، تحولت المراجعة – بوصفها فعلاً نقدياً ضرورياً – إلى علامة ضعف، يُخشى أن تنتهي إلى الاستسلام.
غير أن هذا الموقف التفكيكي، على أهميته، سرعان ما اصطدم بحدوده التاريخية. فمع تحوّل الصراعات إلى نزاعات ممتدة، وارتفاع كلفة “اللا-تسوية” على المجتمعات، برزت الحاجة إلى الانتقال من سؤال الموقف (هل نقبل التسوية؟) إلى سؤال الأثر (كيف نُحسّن شروط التفاوض؟). هنا بدأت تتبلور لحظة جديدة، لا تُلغي النقد بل تعيد توجيهه، عبر التركيز على تجويد آليات التفاوض بدل الاكتفاء برفضها.
لكن هذا التحول لم يكن سلساً، إذ ظل محكوماً بنفس التماهيات السابقة. فالتسوية، حتى في صيغها المُجوَّدة، ظلت تُقرأ أحياناً كمساومة مقنّعة، والمراجعة كاستسلام مؤجل. ويعود ذلك إلى ثلاثة عوامل متداخلة: استمرار اختلال ميزان القوة، وهيمنة السرديات التعبوية، وأزمة التمثيلية التي تُضعف الثقة في الفاعلين. وهكذا، لا يتحدد معنى التسوية أو المراجعة فقط بمضمونها، بل أيضاً بمن يُنتجها وكيف تُروى نتائجها.
من هنا تبرز ضرورة التفكيك المفاهيمي: فالتسوية، في معناها الإجرائي، ليست بالضرورة مساومة، بل يمكن أن تكون إطاراً تفاوضياً مؤسساً على مرجعيات قانونية وحقوقية؛ كما أن المراجعة ليست استسلاماً، بل قد تكون تعبيراً عن قدرة الفاعل على إعادة التموضع استناداً إلى تقييم نقدي للواقع. الفارق الحاسم هنا يكمن في المرجعية والفاعلية: هل يتم اتخاذ القرار وفق منطق الحقوق والمعايير، أم وفق حسابات الربح والخسارة الآنية؟ وهل يظل الفاعل ممسكاً بزمام المبادرة، أم يتحول إلى موضوع للضغط والإكراه؟
غير أن هذا التمييز النظري لا يعفي من الانتباه إلى مفارقة أساسية: فالتاريخ يُظهر أن بعض التسويات كانت فعلاً مساومات مقنّعة، وأن بعض المراجعات انتهت إلى أشكال من الاستسلام. لذلك، لا يكفي الدفاع عن المفاهيم، بل يجب مساءلة الممارسات التي قد تُفرغها من محتواها. وهنا ينتقل الرهان من مستوى التعريف إلى مستوى الحوكمة.
في هذا الأفق، يصبح تجويد آلية التفاوض رهيناً بجملة من الشروط: ترسيخ الشفافية والمساءلة، توسيع دائرة المشاركة، الاستناد إلى مرجعيات حقوقية واضحة، وإدماج الذاكرة – بما تحمله من مطالب الاعتراف وجبر الضرر – كعنصر بنيوي في العملية التفاوضية. كما يتطلب الأمر بناء قدرة تفاوضية سيادية، لا تكتفي بإدارة الاختلال، بل تسعى إلى تعديله تدريجياً.
غير أن هذا المسار يقتضي، بالتوازي، تمييزاً حاسماً بين العمل السياسي الحزبي والعمل الجماهيري المدني/الحقوقي والاجتماعي. فالأول يتحرك ضمن منطق التمثيل والتنافس على السلطة، ويشتغل بأدوات التسوية وفن الممكن، بينما الثاني يُفترض فيه أن يضطلع بوظيفة معيارية ضاغطة، تُذكّر بالحقوق غير القابلة للتصرف وتؤطر الذاكرة الجماعية. غير أن هذا التمايز لا يعني القطيعة، بل يؤسس لعلاقة توتر خلاق: يقي العمل الحزبي من الانزلاق إلى براغماتية بلا أفق، ويحمي العمل الحقوقي من التحول إلى فاعل سياسي مقنّع دون مساءلة.
ومن ثَمّ، يبرز تمييز مكمّل لا يقل أهمية: الفرق بين الخطأ في الممارسة والخطأ في المبدأ. فالأول يرتبط بسوء التقدير أو ضعف التنفيذ أو اختلال التدبير، بينما الثاني يمس جوهر المرجعية القيمية والحقوقية. لكن الخطورة تكمن في قابلية الانزلاق بينهما: إذ قد يتحول تكرار أخطاء الممارسة إلى مؤشر على خلل في المبدأ، كما قد يُستعمل خطاب الواقعية لتبرير انحرافات تمس الأساس القيمي للفعل.
هنا تتقاطع المستويان: فحين يُقاس الفعل الحقوقي بمنطق الربح السياسي، يُعاد تأويل الخطأ في المبدأ كأنه مجرد خطأ تكتيكي؛ وحين يُطالب الفعل الحزبي بنقاء معياري مطلق، يُدان الخطأ في الممارسة كأنه خيانة. لذلك، يصبح التمييز بين الحقول (الحزبي/المدني) والتمييز بين طبيعة الأخطاء (مبدأ/ممارسة) شرطين متلازمين لإعادة بناء المعنى والشرعية.
سيميائياً، نحن أمام تحول من رفض النص إلى المشاركة في كتابته: لم تعد المعركة تدور فقط حول قبول أو رفض التسوية، بل حول من يحدد معانيها وقواعدها. ومن هنا، فإن تجاوز التماهي بين التسوية والمساومة، وبين المراجعة والاستسلام، لا يتم عبر خطاب تبريري، بل عبر إعادة بناء الثقة في الفعل التفاوضي نفسه، باعتباره فضاءً لإنتاج الشرعية لا مجرد انعكاس لاختلالها.
خلاصة القول، إن الانتقال من نقد فكر التسوية إلى تجويد آلية التفاوض هو انتقال من سياسة الموقف إلى سياسة الأثر، ومن تفكيك الشرعية إلى إعادة إنتاجها بشروط جديدة. لكنه يظل انتقالاً هشاً ما لم يُؤسَّس على تمييزات دقيقة: بين التسوية والمساومة، بين المراجعة والاستسلام، بين الحزبي والمدني، وبين الخطأ في المبدأ والخطأ في الممارسة. فالقضية في النهاية ليست في أن نُسَوّي أو نُراجع، بل في كيف نفعل ذلك، وبأي شرعية، ولصالح أي أفق جماعي.






