رياضة

الكلاسيكو بين الجيش والرجاء: حين يُزوَّر التاريخ وتُكافَأ الفوضى

عبد المجيد الفرجي (صحفي مقيم بإيطاليا)

ليس ما وقع بعد مباراة الجيش الملكي والرجاء الرياضي، في الجولة 17 من البطولة الإحترافية، مجرد شغب ملاعب. هذه قراءة سطحية ومريحة. الحقيقة أكثر إزعاجا: نحن أمام منظومة تبرر الفوضى، وتعيد كتابة الوقائع، وتعاقب الضحية بدل محاسبة المسؤول.

الفيديوهات واضحة. التخريب واضح. الإعتداء على رجل أمن واضح. ومع ذلك، يخرج علينا خطاب إعلامي مرتبك، وأحيانا متواطئ، ليقول: "الأمور معقدة". لا، ليست معقدة. هي بسيطة جدا: هناك من خرب، وهناك من يجب أن يُحاسب. كل ما عدا ذلك هو تهرب أو تضليل.

إعلام يُشعل… ثم يتفرج

المشكلة لم تبدأ في المدرجات، بل قبل ذلك بكثير، في الإستوديوهات، وفي الصفحات التي تدعي التحليل. منذ أسابيع، ونحن نسمع نغمة واحدة: التشكيك في أحقية الجيش الملكي بملعبه، وخلق رأي عام مفاده أن "المعلمة أكبر من الفريق".

وهذا ما أضحضته مدرجات مملوءة عن آخرها حينما قدمت أسر مغربية بكل أفرادها في جو عائلي من أحياء العاصمة والضواحي، بل من خارجها: من الدار البيضاء، سلا والقنيطرة وغيرها.. لدعم فريق مغربي كبير اسمه الجيش في نصف نهائي كأس عصبة الأبطال الإفريقية أمام نهضة بركان، حيث فاز بهدفين لصفر في جو طبعه السلم وصورة حضارية و"حضرية" (ضد هركاوية) ومضي جمهور بركان في أمن وأمان.

لم يحصل اي مشكل حينها، لكن في بعض صفحات فرق بيضاوية كانت التعبئة مستمرة ضد أحقية فريق العاصمة بملعب عالمي بعدما أضحت تمريرات لاعبيه على أرضية ملعب الأمير مولاي عبد الله تتداولها كبريات المنابر الرياضية العالمية، ومما اذكر الإيطالية..

 فكلما سلط الضوء على فريق العاصمة في الإعلام الدولي كانت "تجعر" أبواق تخدم العدو قبل الوطن.

هذا ليس نقاشا رياضيا، بل تجييش ممنهج. وعندما تُزرع هذه الفكرة في عقول الآلاف، لا تتفاجأ إذا تحولت إلى سلوك على الأرض. الإعلام الذي يُحرض لا يملك رفاهية التبرؤ حين تقع الفوضى.

التاريخ ليس رأيا… ولا يُمحى بالصراخ

دعونا نضع الأمور في نصابها:

الجيش الملكي ليس ناديا عابرا. هو أحد أعمدة الكرة المغربية منذ الإستقلال. من يجهل هذا، فليعد إلى سنة كأس إفريقيا للأندية البطلة 1985 حين تُوّج الجيش كأول فريق مغربي قاريا بجيل ذهبي قاده محمد التيمومي، إلى جانب عبد الرزاق خيري وعبد السلام الغريسي.

هذا ليس حنينا للماضي. هذه وقائع مؤسسة. فريق قدم نواة كاملة ل المنتخب المغربي، وأسهم في بناء هوية الكرة الوطنية.

فهل يُعقل اليوم أن يتحول إلى "ضيف" في ملعبه؟ بأي منطق؟

ملعب الرباط… ليس غنيمة حرب

ملعب الأمير مولاي عبد الله ليس فندقا تُوزع غرفه حسب الضغط الإعلامي. هو فضاء تاريخي ارتبط بجمهور لعدة عقود. من حضر المباريات منذ الثمانينات يعرف أن العلاقة بين الجيش الملكي ومدرجاته ليست موسمية.

من يريد ملعبا مماثلا، فليطالب به، هذا حق مشروع. لكن أن تُنتزع الشرعية من طرف لتُمنح لآخر، فهذا ليس عدلا، بل إبتزاز جماهيري مغلف بشعارات رياضية.

قرارات "تأديبية" أم رسائل سياسية؟

ثم نصل إلى العبث الأكبر: العقوبات.

من يُخرب يُعاقب بثلاث مباريات.

ومن يُفترض أنه "مستضيف" يُعاقب بخمس.

أي منطق هذا؟ أي رسالة نوجهها؟

الجواب بسيط وخطير في الآن نفسه:

إفعل ما شئت… وسيُعاد توزيع المسؤوليات لاحقا.

هذه ليست عدالة رياضية، بل إدارة أزمة على حساب الحقيقة.

كفى من الكذب على الجماهير

جمهور الجيش الملكي ليس "قليلا" ولا "مؤقتا" كما يُروج. هو جمهور تاريخي، قد يمر بفترات مد وجزر، مثل كل الجماهير، لكنه حاضر عندما يُنادى عليه. والدليل ليس خطابا، بل مدرجات إمتلأت في مباريات حاسمة.

وفي المقابل، جمهور الرجاء الرياضي، مثل غيره، فيه الواعي وفيه المنفلت.

الحقيقة البسيطة التي يرفضها البعض:

لا يوجد جمهور ملائكي… ولا جمهور شيطاني.

هناك أفراد، وهناك مسؤوليات.

هذه ليست مباراة… بل إختبار

ما حدث في الرباط إختبار حقيقي:

للإعلام: هل يملك الشجاعة ليعترف بدوره في التأجيج؟

للمؤسسات: هل تستطيع تطبيق العدالة دون خوف من الضغط؟

وللجماهير: هل تريد كرة قدم… أم ساحة تصفية حسابات؟

إذا إستمررنا في هذا المسار، فالقادم أسوأ. لأننا ببساطة نُطبع مع فكرة خطيرة:

العنف يُفاوض… والحق يُساوم.

الخلاصة: إما الحقيقة… أو الفوضى

الكرة المغربية اليوم أمام خيار واضح:

إما أن تحمي تاريخها، وتنصف مؤسساتها، وتضع حدا للتجييش…

أو تستسلم لمنطق الصوت الأعلى، والفوضى الأكثر تأثيرا.

التاريخ لا يُمحى.

لكن يمكن تزويره… إذا صمتنا.

والصمت هنا… تواطؤ.