لا أعرف في أي خانة أُصنّف هذا الفيلم الوثائقي لمحمد الخطيب. وهو عمل ينطلق من وفاة الأم، ويستعيد لحظات مهمة معها، قام المخرج الابن بتصويرها قبل وفاتها، من خلال لقاءات وحديث عن تفاصيل الحياة، وأسئلة حول مهنة محمد في مجالي المسرح والسينما، وتكوينه في العلوم السياسية، إضافة إلى هذا التصوير المستمر الذي يطبع تجربته.
يتتبع الفيلم محمد الخطيب، بعد وفاة والدته، في رحلة على الطريق بين فرنسا والمغرب على متن سيارة من طراز "رونو 12". ومن خلال هذا العمل، يستكشف قضايا شخصية مثل الفقد، والإرث، والهوية.
وقد تم عرض هذا الفيلم من طرف مجلس الجالية المغربية بالخارج، على هامش المعرض الدولي للنشر والكتاب، بقاعة سينما الفن السابع، مساء يوم الأحد 3 ماي 2026، بشراكة مع المركز السينمائي المغربي، والخزانة السينمائية المغربية، والقناة الثانية.
يغوص الفيلم في العلاقة مع الأم، ومع البلد الأصلي، والعلاقة بالإرث، وبالعائلة، سواء الصغيرة أو الممتدة، وكذلك رغبة محمد في نقل هذا المسار وإطلاع طفله الصغير عليه. كما يتناول تفاصيل السفر نحو البلد الأصلي عبر سيارة "رونو 12"، ولماذا اختار محمد السفر بها نحو المغرب، وما يرافق ذلك من إعداد لهذه السيارة الأسطورية التي رافقت عددًا من العائلات المغربية في رحلاتها الصيفية بين أورليان وطنجة.
ويعرض الفيلم أيضًا اللقاءات التي تتم في الطريق، سواء في فرنسا، بلد الإقامة، أو في إسبانيا، حيث تنشأ علاقات عابرة، سواء من خلال طلب معلومات حول الطريق إلى المغرب أو من أجل إصلاح السيارة. وهي أحداث كانت ترافق الجيل الأول من المهاجرين في رحلاتهم، حين لم تكن الطرق أو وسائل التوجيه متطورة كما هو الحال اليوم.
تُعد سيارة "رونو 12" بطلة هذا الوثائقي، فهي التي تقود محمد نحو البلد الأصلي، خاصة أمام إلحاح خاله بضرورة العودة من أجل الحصول على الإرث بعد وفاة الأم، والسفر عبر هذه السيارة التي تُعد مميزة في المناطق الريفية لشمال المغرب، لصلابتها وقدرتها على العمل في الوسط القروي، خاصة بمنطقة كتامة النائية، ودورها في نقل محصول القنب الهندي إلى أماكن تحويله.
هذه الرحلة إلى المغرب، عبر ميناء الجزيرة الخضراء وصولًا إلى طنجة، تقود محمد إلى لقاء عدد من نساء العائلة والمقربين، الذين ينقلون رواياتهم وعلاقتهم بالوالدة، وتلهّف محمد لمعرفة هذه الشهادات وقيمتها الخاصة بعد رحيلها. كما تتناول الرحلة الجوية لجثمان الراحلة، وأجواء وطقوس العزاء داخل العائلة، وهي الرحلة الأخيرة للأم نحو البلد الأصلي.
وفي هذا المسار، تتحول الرحلة إلى بحث عن الهوية، من هوية تلقاها داخل العائلة إلى محاولة اكتشافها في البلد الأصلي.
في هذا الفيلم، حضور الأب ثانوي؛ فهو أب يحترم اختيارات أبنائه. في المقابل، لم تكن الأخت مقتنعة بعملية التصوير المستمرة التي يقوم بها محمد، بل لم تتردد في اتهامه باستغلال هذا الفيلم من أجل الشهرة في القنوات الفرنسية على حساب الأم والعائلة. كما تُبرز الأخت تناقض محمد بين أفكار المساواة التي يحملها في فرنسا، وقبوله بتقسيم الإرث وفق الطريقة المغربية التقليدية في منطقة الريف، دون أن يستنكر ذلك، في سعي من المخرج إلى استكشاف هذه الحدود الاجتماعية.
هذا الوثائقي يصور العائلة ويطرح العلاقة بالموت في سياق الهجرة، وعودة الجثمان من المهجر إلى البلد الأصلي في رحلة أخيرة، كما يثير تساؤلات حول الهوية. وحتى سيارة "رونو 12" قامت برحلتها الأخيرة لتبقى في منطقة كتامة، في استمرار لرحلة البحث عن الإرث غير المرئي في البلد الأصلي، بلد الآباء، وتساؤل محمد عمّا سيفعله بهذا الإرث.
الفنان محمد الخطيب
أطروحته المركزية: الجمالية لا تخلو من دلالة سياسية
محمد الخطيب كاتب مسرحي، ومخرج، وفنان تشكيلي وأدائي، ومخرج سينمائي فرنسي-مغربي، يحظى باعتراف عالمي بفضل مسرحه الوثائقي. ويستكشف عمله، عند تقاطع الوثائقي والخيال، عوالم الحميمي والسياسي والهشاشة الاجتماعية، فيما تقوم أطروحته المركزية على أن الجمالية لا تخلو من دلالة سياسية.
تنشأ أعماله المسرحية من لقاءات وتبادلات، حيث يواجه الحياة اليومية الأكثر بساطة بجمالية رفيعة. ومن خلال ملاحم حميمية واجتماعية، يضاعف فرص اللقاء بين الفن والفئات البعيدة عنه. وهكذا، يتصور محمد الخطيب عملًا فنيًا لا يُمثَّل فيه الناس بقدر ما يتحدثون عن أنفسهم وباسمهم.
نجد، من بين أمثلة أخرى، عاملة نظافة في Moi, Corinne Dadat، ومشجعي نادي كرة القدم RC Lens في Stadium، وأطفالًا لآباء مطلقين في La Dispute، ومجموعة من المتقاعدين في La Vie secrète des vieux. وبالتعاون مع المؤرخ باتريك بوشرون، رسم الخطيب تاريخًا شعبيًا للفن من خلال هواة كرة الثلج.
وبموازاة أعماله المسرحية والسينمائية، بادر الخطيب إلى إنشاء أول مركز فني داخل مؤسسات إيواء المسنين (EHPAD). وفي مؤسسة ثقافية بمدينة أفينيون، ابتكر معرضًا فنيًا عيّن فيه مندوبين من بين موظفي المتحف وأشخاصًا في وضعية هشة من مؤسسة اجتماعية.
وفي متحف حضارات أوروبا والبحر الأبيض المتوسط (MUCEM) بمرسيليا، أنجز معرضًا كبيرًا بعنوان "رونو 12"، مستلهمًا من رحلات العائلات الفرنسية-المغاربية بالسيارة. أما معرضه الأخير Le Grand Palais de ma mère (2025)، الذي احتضنه القصر الكبير بباريس تكريمًا لوالدته الراحلة، فيمزج بين السرد الحميمي وتجربة الفقد والثقافة الشعبية، مدرجًا بذلك حكايات فردية في فضاءات مرموقة، ومساهمًا في كسر مظاهر التهميش الاجتماعي والثقافي.






