تم غزو فضاءنا من طرف كائنات لا تنام. يظل همها، و سعيها الحثيث منهجا لإفراغ الساحة من ممارسة الصحافة بعلم و مهنية و ثقافة صلبة، و خصوصا بأخلاق.
أحترم كثيرا الفن الحلايقي الذي اثث كثيرا من مشاهده على بناء ذاكرة طفولتنا. الحلايقي هو ذلك الذي يمتلك أدوات الفرجة و يصنعها و يستعرضها في الساحات العمومية بالمدن و القرى. وصل صوت الحلايقي و ابداعاته إلى مستوى الاستجابة لمقاييس اليونسكو، و بفضل تمكنه من الحكي، و من صنع الفرجة، تمكنت ساحة جامع الفنا من تسجيلها كثرات عالمي لا مادي.
الحلايقي في وقتنا هذا يجلس في بيته، و يلقي ما اؤتي من كلام، مصدره ما قيل و ما يقال على شبكات تسمى بالفضاء الأزرق. الحلايقي اليوم ينتحل صفة الصحافي، و هو لا يكاد يتقن أي علم في مجال تحليل الخطاب، و لا توثيق الأحداث، و يجهل كثيرا من المجالات التي تمارس فيها، و من خلالها السياسة و التجارة و الفلاحة و الصناعة.
الحلايقي يبحث عن الفضيحة ليضعها في قلب ما يعتبره " خبرا". الحلايقي يشتم و لا يبالي، يستفيد من أموال كثيرة و يغالي في وصف حاله بالفقير، و لو أنه يعرف أن ما يمتلك يراه من يحيطون به، أو من يعرفونه. الحلايقي يتعامل مع الفساد بلغة التهديد المؤدي إلى الإستفادة من التصعيد، و لا يبالي إذا تم التطبيع معه بمقابل. الحلايقي يفسد صورة جمعيات المجتمع المدني التي تفضح الريع و الرشوة و الاغتناء غير المشروع
شوه الحلايقي و زملاءه، و المطبلين له، و المستفيدين من عنف كلامه، و من يسخرونه للدفاع عن مصالحهم، مهنة البحث عن الخبر، و تحليله و التعليق عليه. يتحدى ، بكل ما تعلم من أساليب الوقاحة ، كل من يناى بنفسه عن الاصطياد في الماء العكر. تمكن الحلايقي من الإسهام في اضعاف مهنة الصحافة، و استعان بجيش من الاتباع أو ما يسمى بالذباب، لكي يصنع الوهم، و ينصب نفسه بطلا ضد الوهم. و في المقابل يظل الصحافيون المهنيون يبتعدون عن ذلك العنف الرمزي الذي يشكله من يعبدون الظهور صبحا و عصرا و مساء لتقديم مسرحيات هزلية لا يستمتع بها إلا من خارت قواه العقلية، و خاصم القراءة و التفكير مفضلا كل أنواع الإلهاء الذي يغتني بفضله الحلايقي.
و قد يظهر الحلايقي إهتماما بقضايا الواقع المجتمعي المر، و يبدي تعاطفه معها، و لكنه يظل يعمل و يصر على تبييض مستوى شخصه و السعي إلى إدخال أقواله إلى دائرة " التقديس الشعبوي" ، و هكذا تتساكن النرجسية مع العدوانية لتفضي إلى الإستفادة القصوى من الموقع المصطنع و المعجون " بالوعد و الوعيد " . و يمكن للحلايقي أن يتعايش مع كل أحوال الطقس السياسي، لأن المهم هو إرضاء نفسه و ضمان حماية مصالحه. الحلايقي " يضرب و يقيس" حتى لا يسجل عليه فعل أو قول يحاسبه عليه القانون. وقد يسقط فجأة في فخاخ يصنعها من ينافسونه في الصنعة و يريدون به شرا . ( خوك فالحرفة...)
و وجب إظهار دور نقيض الحلايقي في مجال الصحافة ، و الذي يتمثل في صحافيين بنوا و لا زالوا يبنون بمهنية و سمو بحثهم عن الخبر و المعلومة و تحليلها و تقديمها بكثير من التمكن العلم و عمق ثقافتهم، و خصوصا بتواضعهم المهني الذي يخفي قوة براهينهم، و عدم خضوعهم لسلطة مراكمة المال، و توسيع شبكات " الزبناء"، و الإبتعاد عن خلق معارك شخصية مع القاصي و الداني، و تهديد كل من يشكل خطرا على الحلايقية. و لقد أبان هؤلاء عن علو كعبهم من خلال مواد إعلامية غنية بالمعلومة و التحصيل الرصين و مواكبة الأحداث بمهنية عالية .
اشكر كثيرا و أقدر من لازال، من الصحافيين، بعيدا عن إستغلال " أسلوب الحلقة". أستمتع بتحليلات سياسية تحملها قلة من الصحافيين بكثير من العلم و المهنية. أعتبر هؤلاء الأساتذة من النبلاء الذين يتقنون فن تقاسم المعلومة عبر العلم و يبتعدون عن المشاحنات اليومية على الفضاء الأزرق. لا أريد أن أذكر أسماءهم حتى لا تتوجه إليهم تلك الأعين المليئة بالحقد على المتميزين. لا أفرق بين من دخل إلى إستعمال اليوتوب " بصباطه" ، و حقق أرقام مشاهدة و أموال و موقعا في شبكة فاسدين، و بين من نصبوه محاميا، فوق العادة، لمهاجمة من يعاكس مصالحهم.
تدهورت ممارسة الصحافة لدى كثير ممن يدعون أنهم صحافيون. أصبحوا متخصصين في السب والشتم. لا تهمهم المقاولة الصحافية التي تشغل الشباب و تعلمهم مهنة شريفة و صعبة. الحلايقي يجلس في بيته لينتج لوحده مادة مسمومة تسيء للمواطن و الوطن، و لا يجد أي حاجز أخلاقي يحد من نزواته التي تدفعه إلى إختيار السمسرة ، و المتاجرة بأعراض الناس، و تشويه الحقائق. الحلايقي الذي يدعي أنه يمتهن الصحافة لا قدرة له على تقديم منتوج إعلامي يرفع مستوى وعي المواطن. شكرا لاؤلاءك الذين ينيرون طريقنا بجهدهم الفكري المتواصل. و ستنفض الحلقة من حولك أيها الحلايقي لأن حبل الكذب قصير، و الركوب على مآسي الناس رذيلة. و أكرر الشكر للصحافيين المهنيين و الممتلكين لعلوم الخطاب و تحليله، و الذين يحترمون القارئ و المستمع و يقدمون له مادة إعلامية عميقة و محترمة و بعيدة عن لغة " الحلايقي السمسار". كثير الحلايقية في حاضرنا ، و أصبحوا يشكلون تحالفا يعجز الذكاء الاصطناعي عن ضبط آليات اشتغاله.






