رأي

دحمان المزرياحي: دعه يفسد.. دعه يمر

بين مقولة “دعه يعمل دعه يمر” التي بشر بها آدم سميث دفاعا عن حرية السوق وتقليص يد الدولة، وبين عبارة “دعه يفسد دعه يمر” عنوان هذا المقال، تتكشف مفارقة هذا الزمن؛ فالأولى ولدت من تصور اقتصادي يرى أن السوق قادر وحده على خلق التوازن، أما الثانية فهي استنتاج ينبعث من مرارة واقع تترك فيه الفوضى تنمو بلا مساءلة، حتى يصبح الفساد نفسه اقتصادا موازيا للحياة. كلا العبارتين تلتقيان عند فكرة انسحاب الدولة من المشهد، لكن الفرق شاسع بين حرية تنتج الثروة، وغيابٍ يفتح الأبواب أمام الجشع والاحتكار والعبث بمصائر الناس. هنا لا يمر السوق فقط، بل يمر معه التعب والغلاء وانكسار الثقة، كأن الوطن ترك في مهب التجار والسماسرة، فيما المواطن يراقب المشهد بعين متعبة وقلب يسأل: من يحرس العدالة حين تنام الدولة على رصيف الحياد؟

الملاحظ أن الساحة المغربية تعيش اليوم على إيقاع هذه المفارقة القاسية؛ فبينما تتسع لغة الوعود والخطابات حول التنمية والإصلاح، يزداد شعور المواطن بأن حياته اليومية تنزلق نحو مزيد من القلق والضغط الاجتماعي. الأسعار ترتفع بلا رحمة، والقدرة الشرائية تتآكل بصمت، فيما تبدو الأسواق وكأنها تحررت من كل ضابط أخلاقي أو رقابي، حتى صار المواطن البسيط يدخل السوق كما يدخل معركة خاسرة سلفا.

لقد تحوّل الغلاء من أزمة ظرفية إلى حالة عامة تسكن تفاصيل الحياة اليومية. الخضر والفواكه واللحوم لم تعد مجرد مواد استهلاكية، بل مؤشرات اجتماعية على اختلال عميق في بنية الاقتصاد وآليات التوزيع والمراقبة. وحتى المناسبات الدينية التي كانت تحمل للمغاربة معاني الفرح والتكافل، أصبحت مصدر خوف وحسابات مؤلمة، بعد أن صار ثمن الأضحية يفوق قدرة فئات واسعة من الأسر، وبلغت أسعار بعض المواد البحرية مستويات غير مسبوقة. لذلك لم يكن قرار صرف الأجور قبل موعدها مجرد إجراء إداري عابر، بل اعترافا غير مباشر بحجم الاختناق الاجتماعي الذي يعيشه المجتمع.

وسط هذا المشهد، يعود السؤال الكبير حول جدوى السياسات العمومية التي قدمت لسنوات باعتبارها مشاريع استراتيجية كبرى. فمخطط المغرب الأخضر، الذي رفع كشعار لتحقيق الأمن الغذائي ودعم الفلاح وتحسين الإنتاج، يجد نفسه اليوم أمام امتحان الواقع؛ إذ لا يعقل أن يعيش بلد ذو مؤهلات فلاحية كبيرة هذا الارتفاع المهول في الأسعار دون أن يطرح ذلك أسئلة حقيقية حول من استفاد فعلا من هذه السياسات، ومن راكم الأرباح، ومن يدفع الثمن اليوم.

المشكل لم يعد مرتبطا بالإنتاج وحده، بل أيضاً ببنية اقتصادية هجينة تتغذى من كثرة الوسطاء والسماسرة وشبكات الريع والاحتكار. ففي كثير من الأحيان، ينتقل المنتوج من يد الفلاح بثمن بسيط، قبل أن يصل إلى المستهلك بأضعاف مضاعفة، وكأن القيمة لا يصنعها العمل ولا الأرض، بل تصنعها المضاربة وحدها. وهنا تتجلى تلك المفارقة الساخرة بين حرية السوق وواقع تركت فيه آليات المراقبة والعدالة الاجتماعية تتآكل شيئا فشيئا.

فالخطر الحقيقي ليس في السوق حين يشتغل وفق قواعد التنافس والإنتاج، بل حين تنسحب الدولة من دورها الرقابي والاجتماعي، وتترك المواطن وحيدا أمام جبروت الاحتكار والمضاربة. عندها يصبح الفساد نفسه نمطا اقتصاديا قائما بذاته، وتتحول المعاناة اليومية إلى أمر اعتيادي، بينما تتآكل الثقة تدريجيا بين المجتمع والمؤسسات.

ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، يزداد هذا النقاش حدة واتساعا. فالمواطن لم يعد يبحث فقط عن الشعارات أو الوعود الانتخابية الجاهزة، بل صار ينتظر إشارات ملموسة تؤكد أن الدولة قادرة على حماية التوازن الاجتماعي وفرض القانون وربط المسؤولية بالمحاسبة. لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس الأزمة الاقتصادية في حد ذاتها، بل شعور الناس بأن لا أحد يصغي لمعاناتهم.

لقد أدرك عدد من المفكرين منذ قرون خطورة هذا المسار. فابن خلدون اعتبر أن الظلم واحتكار الثروة وفساد الجباية من أبرز أسباب انهيار العمران وسقوط الدول، حين تتحول السلطة إلى وسيلة لخدمة المصالح الخاصة بدل الصالح العام. كما أشار بول باسكون، في قراءته للمجتمع المغربي، إلى أن تداخل المال بالسلطة والنفوذ ينتج اقتصادا غير منتج، تحكمه الامتيازات والمحسوبية أكثر مما تحكمه الكفاءة والاستحقاق.

وفي الذاكرة السياسية المغربية، ظلت لحظات الحزم في مواجهة الفساد تحظى برمزية خاصة، لأنها كانت تمنح للمواطن شعورا بأن الدولة ما تزال قادرة على فرض هيبتها وحماية القانون. فالدولة القوية ليست تلك التي تكثر من الخطب، بل تلك التي تجعل الجميع يشعر بأن القانون فوق الجميع.

إن المرحلة الحالية لا تحتاج إلى حملات موسمية أو خطابات ظرفية، بل إلى إرادة سياسية واضحة تعيد ترتيب الأولويات الاجتماعية والاقتصادية. المطلوب مراقبة حقيقية للأسعار، وضبط سلاسل التوزيع، والحد من اقتصاد الريع والوساطة غير المنتجة، ونشر نتائج الافتحاصات وربطها بالمحاسبة الفعلية، حتى يشعر المواطن أن تضحياته لا تضيع في متاهة المصالح الضيقة.

فالدول لا تقاس فقط بحجم مشاريعها الكبرى، بل أيضا بقدرتها على حماية الكرامة اليومية لمواطنيها. والمغرب، بما يملكه من تاريخ وإمكانات ورصيد حضاري، قادر على تجاوز هذه المرحلة، شرط أن تستعيد السياسة معناها النبيل كخدمة للصالح العام، لا كسوق للمصالح والتحالفات العابرة. لأن الشعوب قد تصبر على الأزمات، لكنها لا تصبر طويلا حين تشعر أن الفساد أصبح قدرا، وأن الوطن يدار بمنطق: دعه يفسد… دعه يمر.